Color SWITCHER
  •  |

سلسلة مبادرة لا نهضة الا بالصناعة 15 - الحل ليس في الإصلاح المالي

في ظل ما آلت إليه أسعار النفط وتقلباتها المستمرة تواجه المملكة اليوم تحديا استثنائيا خطيرًا ، ولم يعد ممكنا أو متاحا تأجيل الإصلاح الاقتصادي لتنويع مصادر الدخل قبل أن يستنزف الاحتياطي النقدي للبلاد المقدر بـ 487 مليار دولار  في عام 2017الذي سجل أدنى مستوياته منذ أوائل 2011 ،  منخفضًا بنسبة  12.8 % قبل عام وفقَا لوكالة رويترز العالمية . 
 
إن الإجراءات التي قامت بها الحكومة من رفع أسعار المواد البترولية وأسعار الكهرباء والمياه مؤخرًا ليست إصلاح اقتصادي كما يتحدث البعض ، بل لا تتعدى الإصلاح المالي لأن الهدف منها تقليل عجز ميزانية الدولة وضبط الامور المالية للبلاد ،...صحيح أن التأخر في تنفيذ هذه الإجراءات سوف يجعل تكلفتها تتضاعف مُستقبلا ، ولكن تنفيذها خلال مدة قصيرة دون استعداد كافي سيجعل تكلفتها الاجتماعية تتجاوز قدرة المواطن على الاحتمال .
من المفترض أن توفر هذه الإجراءات عوائد مالية كبيرة ، وبالتالي يتم استخدامها على  تشجيع الاستثمار، وخفض البطالة ، وزيادة موارد الدولة بما يزيد من الإنفاق على الخدمات العامة ، ولكن الإصلاح المالي لن يأتي وحده بهذه الثمار  ، ومن الضروري أن  يتزامن معه إصلاح اقتصادي متكامل من خلال حل مشاكل القطاع العام بدلاً من خصخصته  ، وإزالة عوائق الاستثمار، بما يسمح بإعادة ما يزيد عن  1000 مصنع شبه مغلق للعمل في البلاد ، وفتح التنافس في المجالات الواقعة تحت سطوة الاحتكار، وتحفيز المشروعات الصغيرة .
إن الإصلاح المالي إذا كان ضروري ، فهو غير كافي لتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة للبلاد ، ونتائج  تطبيقه لم تظهر بعد إلى الآن  ، بل على العكس قفز معدل البطالة لـ 12.8% ، والخدمات العامة لم تتحسن ، والاحتياطي النقدي في نزيف مستمر ،  والحكومة حينما تُصرح بأنها اتخذت القرارات الشجاعة والضرورية التي تردد آخرون في الإقدام عليها معها كل الحق، ولكن لا يكفى اتخاذ هذه القرارات فحسب ، والاستعداد لعواقبها الاقتصاديةوالاجتماعية كي لا تتحول إلى كابوس يؤرق كل مواطن  كان أمر ضروريًا منه .
إن التجربة الصينية في تطبيق الإصلاح الاقتصادي هامة للغاية  ،  ومثال جيد للاستفادة منها خلال الفترة الراهنة  ، خاصة أن هذا البلد استطاع تحقيق معجزة في النمو تجاوزت الـ10% لمدة تتجاوز الـ20 عام ، فلك أن تعلم أن الصين  واجهت مشكلة كبيرة في هيكلة شركات  القطاع العام بسبب كثرة العمالة وضعف الإدارة،  وكانت أمام 3 خيارات، أولها الخصخصـة، وتحمل ميـزة جـذب سيـولة سريعـة كـي تستفيـد منهـا الحكومـة في عمـل مشـروعـات أخـرى، وعيبها يتمثل في خسارة الملكية والأرباح التي من الممكن تحقيقها حال تحسن الإدارة ، بينما جاءت الهيكلـة هي الخيار الثاني ، وحملت ميزة زيادة إيرادات الدولة إذا نجحت الخطة، ولكنها تحتاج إلى تغيير فكر الإدارة.
 
أما الخيار الثالث والذي قامت بتطبيقه الصين فكان إنشاء شركات جديدة تدفع الاقتصاد إلى الأمام ، بجانب هيكلة الشركات القائمة بالفعل، بما مثّل أصعب الاختيارات على وجه الإطلاق ، وقامت بتشجيع المحافظات على المنافسة ، وجذبت أحسـن الكفـاءات الإدارية ومنحتهم أسهـمًا مجـانيـة فـي حالـة النجـاح، فمـثلًا شـركـة بتـرول الصـين «Petro China» أعطـت أسهـمًا بالمجـان لأعـلى 300 مـدير فيها، وصممـت حـزمـة مـن الحـوافز للمـديرين الأصغـر ، وقامت بنقـل العمـالـة غـير الضـرورية إلـى شـركـات أخـرى  .
والآن يوجد 155 ألف شركة تخضع للقطاع العام الصيني تقدر قيمتها بـ20 تريليون دولار، وتحـقق 300 مليار دولار أرباحًا سنويـة، و600 مـليار دولار إيرادات ضريبة سـنوية ، بجانب هذا قادت شركات القطاع العام التنمية في البلاد.
 
وأخيرًا وليس أخرًا... فإن السر في تطور الصين بهذه الصورة  كان وراءه الإصلاح الاقتصادي المتكامل القائم على حل  مشاكل القطاع العام وعدم خصخصته  ، وتحويل الإدارة إلى فكر القطاع الخاص وإزالة عوائق الاستثمار، وإذا أردنا أن نتطور مثل الصين فعلينا أن نأخذ بأسباب تطورها ، وعدم السير في طريق لا نعرف نهايته .
 
بقلم أ.د محمد احمد بصنوي 
 

 

الكلمات الدلالية :

التعليقات ()

  1. لا تتوفر تعليقات بالوقت الحالي