Color SWITCHER
  •  |

سلسلة لا نهضة الا بالصناعة ١٩ : السعودة ليست حلاً

إن بلادنا للأسف  تعاني من تدني مستوى الكفاءات البشرية في الكثير من المجالات.، ويتجلى هذا الأمر في عدم توفر العمالة الوطنية الماهرة في الكثير من القطاعات الصناعية والخدمية والتجارية، بسبب غياب التنسيق بين المخرجات التعليمية والسياسات الاقتصادية للبلاد ، مثلما ذكرنا سابقا في بحث " الثروة الحقيقية للمملكة" ،  ويتم التعويض عن هذا النقص كما هو معروف من خلال استقدام العمال الأجانب الذين يشكلون مع عائلاتهم ثلث سكان البلاد، ومع انتشار نسبة البطالة قامت الدولة بإعداد برامج للسعودة للكثير من الوظائف في محاولة منها لتخفيض نسبة البطالة المتفشية في صفوف الشباب من نحو 12 إلى 7 % وفقًا لرؤية 2030، مع أن نسبة البطالة الفعلية أعلى من ذلك بكثير. 

قامت الدولة  في إطار تنفيذ سعودة الوظائف بفرض رسوم على الشركات التي توظف غير السعوديين،  كما فرضت رسوم على عوائل العمالة الأجنبية، خلاف تقيد الوظائف التي تعمل بها العمالة الأجنبية، فقد قامت وزارة العمل في  أواخر يناير2018  بمنع الأجانب من العمل في 12 نشاطاً تجارياً جديداً، من بينها محلات الأجهزة الكهربائية ومواد البناء، كل هذه الإجراءات أدت لمغادرة نصف مليون عامل أجنبي من بلادنا خلال العام الماضي، وبهذا انخفض عدد العمال الأجانب في المملكة من نحو 8.52 مليون شخص عام 2016 إلى حوالي 7.96 مليوناً بحلول عام 2017 حسب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

صحيح أن فرض الرسوم على العمالة الأجنبية أدى إلى هجرة  الكثير منها خارج البلاد، وبالتالي توفرت الكثير من فرص العمل للمواطنين، لكن معظم  هذه الفرص وضيعة العائد، لأن أغلب العمالة التي لم تتحمل الرسوم هي الرخيصة التي لا تتطلب مهارات عالية  مثل أعمال النظافة والكفتريات والصيانة العامة والخدمات المنزلية وأعمال البناء، وبالتالي هجرة هذه العمالة الاجنبية سيؤدي إلى أزمة  في عدة قطاعات مثل البناء و الصيانة العامة ، لأن  هذه الفرص المتاحة في هذا القطاع  في الغالب لن تجد من يعمل بها من المواطنين، وهذا سينعكس على سعر الوحدة السكنية التي تباع للمواطن في النهاية، وهذا يعني بكل بساطة أن السعودة بهذه الطريقة ضد التوجه المطلوب ، وليست في صالحه. 

إن عدم عمل  الشباب في الكثير من الوظائف المتوفرة لا يرجع فقط إلا  ضعف الأجر أو الاستحياء من الالتحاق بهذه النوعية من العمل، ولكن لأن أغلب هذه الوظائف لا تتناسب مع طبيعة مؤهله العلمي، تلك هي حقيقة المشكلة التي نتجاهلها أو نغض البصر عنها، فلك أن تعلم أن أعلى نسبة للعاطلين هم  الحاصلين على شهادة البكالوريوس بنسبة 54%، بينما جاء في المرتبة الثانية الحاصلين على الشهادة الثانوية بنسبة 32%، وجاء في المرتبة الثالثة الحاصلين على الشهادات المتوسطة بنسبة 6.2%، والحاصلين على الابتدائية بنسبة 2.7%، في حين شكل من لم يحصل على أي شهادة 0.2% من العاطلين وفقَا للهيئة العامة للإحصاء، ومثلما ذكرت سابقًا في بحث "الخروج من عنق الزجاجة" ، وهذا يعني أن المشكلة ليست في توفير الوظائف بشكل عام بل في عدم توفير وظائف مناسبة، فليس من المعقول أن نطلب من شاب حصل على درجة البكالوريوس أو شهادة الثانوية أن يعمل عامل بناء أو نظافة مع إحترامي لهذه الوظائف. 

لست ضد سعودة الوظائف لتوفير فرص العمل للمواطنين، ولكن قبل إتخاذ مثل هذه القرارات لابد من وضع رؤية شاملة للتغلب على  أي أثار سلبية محتملة، فلك أن تعلم أن خروج مليون و نصف عامل أجنبي من بلادنا خلال فترة قصيرة أدى لانكماش واضح في سوق العقارات المستأجرة، وفراغ كبير في مراكز التسوق، وتدني العمل لبعض المستوصفات والمدارس الخاصة ، فما بالك إذا غادر ربع أو نصف العمالة الاجنبية التي تصل لـ13 مليون عامل وهو مايشكل اكثر من ثلث التعداد السكاني للمملكة إذا ما تم إحتساب العمالة  الغير رسمية وفقًا لبعض التقديرات، بنفس الوتيرة السريعة التي حدثت خلال الفترة الأخيرة، فبلا شك أن هذا الأمر سينعكس على  أداء الاقتصاد الكلي بشكل سلبي، ومن الطبيعي بعد ذلك أن يعم الكساد الكثير من المنشئات مثل المدارس الأهلية، والمستوصفات، والمحلات التجارية، والمطاعم

فالله سبحانه وتعالى خلق التوازن والنسبة والتناسب، فتعداد سكان المملكلة يقدر بـ33 مليون نسمة، والأجانب بـ13 مليون أو يزيد، وبذلك يمثل الأجانب أكثر من ثلث سكان المملكة، إن أي محاولة لإخراج الثلث دون إيجاد البديل سيعرّض قطاعات بكاملها للانهيار ، وهذه الاعمال اصلا اساس الاقتصاد الداخلي وهي ثمرة سنوات بل عقود من الدعم الحكومي بألوف المليارات لتلك القطاعات وملاكها ابناء الوطن وهم دواعم اقتصادها

وعلى ضوء ذلك يمكن تفسير مخاوف وشكاوي رجال الأعمال مؤخرا من تراجع أعمالهم بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل، وانخفاض القوة الشرائية للسكان حسب وكالة رويترز للأنباء.

بل ان بعضهم من ملاك المصانع من بادر بالاقفال وسرح العشرات من ابناء وبنات الوطن خشية وطأت تعنت الاجراءات والفاتورة المجمعة وغيرها وغيرها ،  وهنا للأسف من يأتيك  بعبارات عجيبة لم تكن يوما في اي اقتصاد على وجه الارض ويخبرك بأن هذا الذي يحصل لابد منه وان هذه ضريبة التغير ،،،،، وكيف لنا ان يكون التحسين  بتدمير كل ماهو قائم وخصوصا ان شريحة المتوسط والصغيرة تمثل اكثر من 80% من اجمالي السوق العام. 

إن تخبط القرارات الغير مدروسة العواقب على المدى القريب او البعيد والمبنية على عدم فهم حقيقة السوق الداخلي وطبائع شرائح المجتمع المختلفة ، ستكون وخيمة العواقب .

قد يبدوا أن الاستغناء عن الأجانب الحل الأسهل لتوفير فرص  العمل  للشباب العاطل، إلا أن هذا الحل سيؤدي إلى إنكماش الإقتصاد بالصفة العامة ، خلاف أن اصحاب العمل قد يتحايلوا على سعودة الكثير من الوظائف الوضيعة أو الرخيصة من خلال ما يسمى بالسعودة الوهمية مثلما ذكرت بالتفصيل في مقالة "صناعة الوهم" ،  ومن هنا فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة يكمن في مدى النجاح في توظيف العمالة الوطنية دون التخلي عن العمالة الأجنبية حتى لا تتراجع أداء القطاعات التي تشكل فيها العمالة الأجنبية العمود الفقري مثل قطاع البناء والتشييد ، وهذا مانجده جليا في تصرف الامارات العربية فبقدر مابدر منا من تشدد واجهه مباشرة لديهم صدور قرارات تسهيل للاجانب وبساطة في الرسوم وغيرها مماهو على العكس لدينا .

إن العمالة الأجنبية إذا كانت مجبرة على الهجرة بسبب الرسوم وبرامج السعودة التي قامت بها الدولة الفترة الاخيرة ، فالمواطن أيضًا يفكر في اللحاق بمن سبقه من المواطنين الى الهجرة ، وهذا مماتم مناقشته سابقا( بمجلس الشورى )بعد هجرة اكثر من مليون مواطن الى الخارج .

ولكن الآن لأسباب أخرى اضافية  تتمثل في  غلاء المعيشة ، وارتفاع فواتير الكهرباء والماء الى الاضعاف ، وعدم توفر السكن إلا بالإيجار ، غانيك عن المخاوف المستقبلية من خصخصة التعليم والصحة ، فالرجل منا يشعر بأنه يعيش في غلاء فاحش متزايد يجلب له الضيق ، ولذلك يفكر الكثير خلال الفترة الأخيرة في بلاد يعيش فيها بسهولة ويسر ويمتلك فيها المسكن والاقامة الدائمة بأقل المبالغ والتي قد  تبدأ بالـ 100 الف ريال، ومن ثم الإستثمار والمعيشة أيضًا بمبالغ ايضا تبدأ من 150 الف ريال، بالتالي يتبعها العلاج المجاني وتعليم الابناء بالمجان ، بل إن بعض الدول ذات الوعي الاقتصادي خصوصا في الفوضى الاقتصادية العالمية الحالية . فهي تقوم برد 60% من أموال المستثمر التي استثمرها مع أول إنتاج له وذلك في ظل سعيهم للوصول للإكتفاء الذاتي لاستهلاك شعوبهم ، 

ولا يذهب فكرك أخي القارئ بأن تلك الدول نامية أو ضعيفة او متشاحنة، بل متطورة اقتصاديًا ومعيشيًا وفي مصاف دول العالم الاول ، ولذلك فإن وقف هجرة المواطن  أو المستثمر الوطني يكون من خلال تحسين مناخ الإستثمار ، وإزالة العوائق التي تقف أمامه مثلما أشرت بالتفصيل في بحث  " كلمة السر لتقدم الدول" . 

نحن في بحوثنا هذه والتي نصيغها على هيئة مقالات ،،،، في نظري اننا لا نأتي بجديد ولكن نحن نقوم بتكرار ماتم نشره من قبل المصادر ذات الثقة مع توضيح الرؤى والتركيز على مايعود بالصالح العام ، مع التنويه إلى تجارب الدول التي كانت نامية وبالإخلاص اصبحت متقدمة وفي عداد دول العالم الأول ، والأخذ من تجاربها التي تتطابق مع بيأتنا وعادات مجتمعنا الاسلامي المحافظ بحمد الله ،مايكون مناسبا لنهضتنا وسعادة مجتمعنا واحفادنا بإذن الله . 

وأخيرا وليس آخر فإننا في حاجة إلى إعادة النظر في آلية تنفيذ السعودة، حتى لا نشهد أزمة توظيف تؤدي إلي إنهيار قطاعات بالكامل ، فحل مشكلة البطالة يكمن قبل كل شيء في إعداد وتأهيل الشباب في إطار نظام تعليمي يقوم على الإبداع لخلق فرص عمل جديدة، فنحن في حاجة إلى شباب قادر على العمل من خلال المنافسة وليس بفرضه على القطاع الخاص.  

الكلمات الدلالية :

التعليقات ()

  1. لا تتوفر تعليقات بالوقت الحالي