الكتاب صديق عابر الأزمنة والأمكنة

on
  • 2016-03-10 16:06:42
  • 0
  • 889

تحت أكثر من شعار "الكتاب ذاكرة لا تشيخ" وشعار "قارئ التاريخ يرعى أضواء المستقبل" وشعار "وإن عزّ الأصدقاء صديقك كتابك" توالت بطاقات الإعلان بالاستعداد والتحضير ليوم الافتتاح لمعرض الرياض الدولي للكتاب في دورته الحالية 29 جمادى الأولى حتى العاشر من جمادى الآخرة 1437 ه الموافق من 9 حتى 19 مارس 2016.

لا تكتفي إدارة المعرض ولجانها المتنوعة بالسوق الموسمي للكتاب في الصالات الأربعة ما بين الأجنحة ومنصات التوقيع بل ثمة جائزة الكتاب السنوية كذلك بأنشطة وفعاليات كمثل التي خصصتها اللجنة الثقافة إذ تتنوع ما بين القراءة والتأليف والمسرح والسينما، بالإضافة إلى جناح الطفل الذي تتنوع به الأركان المخصصة للأطفال والأمهات كما أنها تحتوي أنشطة على المسرح الثقافي والتراثي، وورش متعددة، وتستهدف كما كل عام تنمية مهارات الطفل الحركية والإبداعية والعلمية والاجتماعية والفكرية.

ومن بين 1300 طلب مشاركة تتصفى إلى 500 دار نشر تشارك في المعرض السنوي، وتحفل صالات المعرض بتنافس ما بين دور نشر تقليدية وأخرى جديدة، وفي كثير منها متخصصة ما بين الكتاب التراثي سواء الديني أو الثقافي بحسب مجالات التأليف في الحضارة العربية ولا زال بعض الكتاب ذات طلب مستمر ولا غنى عنها، بالإضافة إلى دور نشر معاصرة تتخصص في المجالات الأكاديمية والدراسية عدا أنه تتسيد دور النشر التي تعتني بحقول معرفية معاصرة لا تبدأ عند السياسة ولا تقف عند الأدب كما أنه بالتوازي مع الكتاب الورقي يحضر الكتاب الإلكتروني والصوتي.

وعلى أن سوق الكتاب العربي تتنوع فيه معايير النشر والبيع منذ بداية الطباعة، فإنه تتحكم فيه شروط مختلفة ومتغيرة لا يمكن التنبوء بها ولا السيطرة عليها، فإذا كانت الجملة التي استحكمت نهاية القرن التاسع عشر حتى المنتصف الأول من القرن العشرين "القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ" سقطت وتبدلت مراراً فصارت كل الشعوب العربية تكتب وتطبع وتقرأ، لكن السؤال الأهم: ماذا تقرأ؟ وكيف ينعكس ما تقرأ على الذهن والسلوك؟ ومتى يكون القارئ محافظاً على الصداقة مع الكتاب لا العداوة؟ وأين يمكن للقارئ أن يجعل القراءة جزءاً مكتسباً ومستمراً في حياته؟.

أسئلة القراءة لا تنتهي إلا عند الكتابة!

يتميز هذا العام بحضور ملفت لترجمات الأدب، إذا تجاوزنا المترجمين المكرسين واستعادة طبعات من ترجمات عرفت في عقود القرن العشرين مثل جورج أمادو ونيكوس كازنتزاكي إيزابيل ألليندي، كما تفعل دار الفارابي من لبنان ودار مسكيلياني للنشر من تونس، فالكثير منها مستعجل ومن مترجمين جدد يستحق بعضهم التشجيع إلا أن شروط العرض والطلب من الناشرين ورغبة القراء تفرض عليهم فوق طاقتهم، ويشمل هذا دور نشر سعودية جديدة مثل طوى للنشر وأثر، حين السعي إلى المثير حول العمل الأدبي لا مضمونه مثل روايات الجوائز أو نصوص الأزمات كالسجون والمرض، فربما تكشف لهم مع الأيام وتراكب الخبرات بأن الترجمة عمل يستحق العناية ليس نقلاً من لغة إلى أخرى فقط بل نقل تجربة اجتماعية وثقافية وسياسية لمجتمع إلى آخر.

لطالما خدعت الجوائز بكتب تحمل أوسمة غير مستحقة، ونجت كتب من لعنتها ولم تدرك روعتها.

كما يلفت هذا العام حضور الشعر ما بين أسماء مكرسة واستعادة بعض الأعمال غير المنشورة عند شعراء تركونا قريباً وبعيداً مثل ديوان "صوت العطش" لفائق عبدالجليل من الكويت من دار مسارات، وديوان "كان هذا سهواً" لأنسي الحاج من لبنان من هاشيت أنطون – نوفل.

وإلى الشعراء ينضم الروائيون الذين تستعاد رواياتهم وقصصهم سواء ممن رحلوا مثل عبد الرحمن منيف الذي تتولى طباعة ونشر أعماله كل من المؤسسة العربية ودار التنوير، وعناية دار نشر شابة بلاتينيوم بوك بنشر أعمال نفدت للروائي الكويتي إسماعيل فهد السماعيل مثل الأعمال القصصية الكاملة وبعض رواياته النافدة بالإضافة إلى أعمال جديدة مثل روايته "الظهور الثاني لابن لعبون" وعمله الجديد المشترك مع الشاعر البحريني قاسم حداد "عندما رأسك في طريق واسمك في طريق أخرى" عن نفس الدار.

الأكاديمية لا تنافس

ويضاف إلى ذلك حضور المؤسسات الأكاديمية، مثل كرسي الأدب السعودي، التي تريد أن تجعل من الأطروحات مشروعاً للكتاب التجاري عن مواضيع فرعية في الأدب بحسب ما تملي النظريات الجاهزة مثل تلقي الرواية والنقد الروائي وبناء الزمن وتشكيل الخطاب في الرواية وهكذا، ولا يحقق المراد دائماً، وجمع أوراق بحثية من المؤتمرات فتحرر في كتب عدة هي أقرب إلى الأرشيف من السوق الكتابي غير أنها تجمع مواضيع عدة حول تصنيفات أكاديمية عمومية للإنتاج الثقافي مثل سلسلة كتب عن الشعر والسرديات والموروث الشعبي – يبدو أنه لم يصل إليهم مصطلح "التراث الثقافي المعنوي أو غير المادي" حتى الآن!- التي أعداها وحرراها كل من الأستاذين صالح الغامدي وحسين المناصرة.

غير أنه يظهر الاتجاه هذا العام إلى الكتب المرجعية التي تجمع ما بين شمولية الاختيار من أجناس أدبية مثلما فعلت هذا العام المجلة العربية في مختارات ضخمة تغطي لأكثر من أربعين عاماً من عمرها من القصص القصيرة أعدها الروائي عبدالعزيز الصقعبي، والحوارات أعدها سعد المحارب، والقصائد أعدها عبد الرحمن الشايع، ومدن أعدها بندر الجاسر، وإعلام أعدها سعيد الزهراني بالإضافة إلى أعداد المجلة المتوفرة مع كتابها المرافق الذي يصل إلى أكثر من 18 ألف طبعة ويصل إلى الأقطار العربية.

ويعرف الدور المتخصص عند دارة الملك عبد العزيز بكتب تخص التاريخ السعودي من الدراسات والرحلات والكتب المترجمة بالإضافة إلى موسوعات كان آخرها موسوعة الأدباء في المملكة العربية السعودية، وهي تتوازى مع إنتاج كل من مكتبة الملك فهد الوطنية ومكتبة الملك عبدالعزيز.

تحاول بعض دور النشر المتخصصة من الاستمرار ضمن دائرتها في النشر التي تضيق مع الزمن ولا تستجيب للمتغيرات العلمية لا الأكاديمية مثل مركز دراسات الوحدة العربية التي تحمل معها إصدارات المنظمة العربية للترجمة التي تعاني من سياسة قديمة في اختيارات كتب لم تعد تعني لا القارئ ولا المؤسسات الثقافية المختلفة.

عشوائية النشر والقراءة

ربما تعاني بعض دور النشر من تشتيت في قوائم منشوراتها توازي حالة التشتت في اهتمامات القراء والقارئات غير أن بعضها تخلص إما إلى جنس أدبي كالرواية أو الشعر بالعربية أو مترجماً أو أدب الطفل، لعل من أشهرها سابقاً دار الآداب ودار التنوير من لبنان ودار المدى من العراق ثم الآن تتخصص على تنويع ما بين العربية والمترجم مثل طوى وأثر، وإما إلى حقل معرفي سواء في العلوم الإنسانية والاجتماعية أو السياسية والاقتصادية أو التطبيقية وما سواها تفرضه اهتمامات لجانها أو مدرائها مثل كثير من الدور العربية المختلفة عدا أنه تتميز جداول بتنويع قائمتها كل عام ما بين الدراسات المترجمة والأبحاث التاريخية والنفسية والاجتماعية والعمرانية والسياسية محققة تقدماً في عالم النشر ربما يخرج من تنميط القارئ السعودي الذي تسعى إليه وتأسره فيه بعض دور النشر العربية التي لا تتعدى سطحية الرموز البدوية.

ويعرف اهتمام بعض الدور بالأعمال الكاملة، السردية والشعرية والنقدية، سواء التي لا زالت تعيد طباعة ما لديها من رموز ثقافة الراحلين في الشعر مثل صادر والعودة ونوفل والدار المصرية اللبنانية ونهضة مصر بينما تتجه دور النشر الحالية إلى العناية بالشعرية والسردية والفكرية والنقدية كالمؤسسة العربية والأهلية والمركز الثقافي العربي ودار التنوير ومركز دراسات الوحدة العربية حيث تتوازى أسماء محمود درويش وعبد الله العروي ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وإدوارد الخراط وإدوارد سعيد وعبد الفتاح كليطو وعباس بيضون وفوزية أبو خالد وسواهم جنباً إلى جنب. في مقابل أن دور النشر العربية كالمصرية والمغربية، مثل دار الشروق والدار المصرية اللبنانية وأفريقيا الشرق وتوبقال، تقدم الإنتاج الخاص بمواطنيها وما بين الاكتفاء بأسواقها ومكتباتها التي تستقبل نتاجات جمال الغيطاني وإبراهيم عبد المجيد وخالد عزب ومحمد بنيس وعبد السلام بنعبدالعالي إلا أنها تلتزم ذلك الخيط المشترك في رغبة القراء العرب للخروج من اختياراتهم المحلية بدافع الفضول وربما بدافع المتابعة.

بينما تتجه دور النشر اللبنانية في فرض قوائمها الأدبية وغير الأدبية عدا أنها تتحايل على سوق الكتاب بالمشاركة مع دور نشر من خارجها لكسب مساحات جديدة مثلما تفعل بعضها مع المؤسسات الثقافية في السعودية وعمان بالنشر المشترك أو التي تتخطى نحو الاندماج في قوائم مشتركة ما بين دور نشر من لبنان والجزائر والمغرب مثل شراكة منشورات ضفاف والاختلاف ودار الأمان، ودار التنوير بشراكة بين لبنان وتونس ومصر. لا تعدو دور النشر والمعارض إلا وسائل وأسواق تتجه نحو القارئ. القارئ يعرف صديقه جيداً لا تخدعه المظاهر ويدرك المخابر.. فعلاً، الكتاب صديق يعبر الزمان والمكان.