الإنسان والآلة.. دراسة تقارن إبداع الذكاء الاصطناعي والبشري
on- 2026-01-26 12:14:53
- 0
- 11
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد أفكار أصيلة بالفعل، أم أنه يكتفي بإعادة تدوير ما تعلّمه من البشر؟ سؤال عاد إلى الواجهة بقوة بعدما كشفت دراسة ضخمة حديثة أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي باتت قادرة على التفوّق على "متوسط" البشر في اختبارات محددة للإبداع، لكنها ما زالت بعيدة عن مستوى أكثر العقول البشرية ابتكاراً.
وقاد الدراسة البروفيسور كريم جربي من قسم علم النفس في جامعة مونتريال بمشاركة الباحث المعروف يوشوا بنجيو، ووُصفت بأنها أكبر مقارنة مباشرة حتى الآن بين إبداع البشر وإبداع نماذج اللغة الكبيرة، بعدما قارنت أداء عدة نماذج رائدة – من بينها GPT-4 وClaude وGemini – بنتائج أكثر من 100 ألف مشارك.
وأظهرت النتائج أن بعض النماذج، وعلى رأسها GPT-4، حققت درجات أعلى من الإنسان المتوسط في مهام تقيس ما يُعرف بـ"الإبداع التباعدي" (Divergent Creativity)؛ أي القدرة على إنتاج أفكار متعددة وغير متوقعة انطلاقاً من نقطة واحدة.
وقال جربي إن النتيجة "قد تكون مفاجئة أو حتى مقلقة"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التفوق لا يعني أن الذكاء الاصطناعي صار أكثر إبداعاً من البشر عموماً، لأن الصورة تتغير عند النظر إلى الشريحة الأكثر تميزاً.
وعند تحليل نتائج المشاركين الأكثر إبداعاً، ظهر حدّ فاصل: النصف الأكثر إبداعاً من البشر تفوّق – كمعدل – على جميع نماذج الذكاء الاصطناعي التي شملتها الدراسة. واتسعت الفجوة أكثر مع التركيز على أفضل 10% من المشاركين، إذ ظل هؤلاء يتقدمون بفارق مريح، خصوصاً في المهام الإبداعية "الغنية" التي تتطلب بناء معنى وسرداً وتكويناً أسلوبياً.
وبحسب الدراسة، قد ينجح الذكاء الاصطناعي في توليد استجابات قوية في اختبارات قصيرة ومنضبطة، لكنه يتراجع عندما يتعلق الأمر بكتابة القصص والشعر وملخصات الأفلام؛ وهي أعمال تتطلب نبرة شخصية وحساً سردياً وتفاصيل ثقافية وسياقية يصعب نمذجتها بالكامل.
اعتمد الفريق على اختبار نفسي معروف باسم مهمة الارتباط التباعدي (DAT)، حيث يُطلب من المشاركين – بشراً أو نماذج – كتابة 10 كلمات متباعدة قدر الإمكان في المعنى. وتُعد الاستجابة أكثر إبداعاً كلما كانت الكلمات أقل ترابطاً دلالياً.
ولم يكتفِ الباحثون بالاختبار اللغوي، بل حاولوا معرفة إن كانت "نجاحات" الذكاء الاصطناعي في الكلمات تمتد إلى الكتابة الإبداعية الواقعية، لتظهر النتيجة الأساسية نفسها: الآلة قد تتجاوز المتوسط، لكنها لا تقترب من القمة البشرية.
ولفتت الدراسة أيضاً إلى أن "إبداع" النماذج يمكن رفعه أو خفضه عبر إعدادات تقنية، أبرزها درجة الحرارة (Temperature) التي تتحكم في مدى جرأة النموذج وخروجه عن المألوف. كما أن طريقة صياغة التعليمات تلعب دوراً حاسماً؛ فالتوجيهات التي تشجع النموذج على التفكير في أصول الكلمات وبنيتها قد تقود إلى أفكار أكثر غرابة وابتكاراً.
وخلاصة الباحثين جاءت "مطمئنة" نسبياً، حيث إن الذكاء الاصطناعي لا يبدو بديلاً عن المبدعين، بل أداة قوية لخدمتهم. فهو قادر على توسيع مساحة الأفكار واقتراح بدائل، لكنه ما زال يعتمد على الإنسان في تحديد الاتجاه والمعنى والغاية؛ وهي عناصر تُشكّل جوهر الإبداع الحقيقي.