ليست القضية في الخادمة ولا في السائق، وإنما في العقل الذي يدخل به الشاب والفتاة إلى مؤسسة الزواج.
حين تضع الفتاة شروطها، ويجلس الشاب ليحسب قدرته على الوفاء بها، يبدو الأمر تفاوضًا طبيعيًا بين طرفين؛ لكن خلف هذا التفاوض سؤال أكبر: هل ندخل الزواج بعقلية بناء الأسرة، أم بعقلية تحسين مستوى المعيشة؟
أن تشترط المرأة ما تراه مناسبًا لها، إذا كان شرطًا مشروعًا رضي به الطرف الآخر، أمر لا يصح إنكاره. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول حق الاشتراط إلى ثقافة استحقاق، وحين تُربّى الفتاة على أن الزواج انتقال إلى مستوى أعلى من الخدمات والامتيازات، لا شراكة في صناعة الحياة.
وفي المقابل ؛ ليس من الحكمة أن يدخل الشاب الزواج بعقلية «أستطيع أن أوفر كل شيء»، ثم يكتشف أن وعود البدايات أصبحت التزامات تستنزف دخل أسرة كاملة.
فالخادمة والسائق ليسا مجرد بندين في ميزانية؛ إنهما قراران في اقتصاد الأسرة. وما يُنفق اليوم على الرفاهية قد يكون منزلًا أفضل، أو تعليمًا لأبناء الغد، أو ادخارًا، أو استثمارًا، أو احتياطًا لسنوات لا نعرف ما تخبئه.
وهنا نحتاج إلى تغيير طريقة التفكير:
دخل الأسرة ليس مالًا فائضًا للاستهلاك، بل رأس مال لحياة كاملة.
وقد قيل: "من لم يدبّر ماله، لم يدبّر عيشه".
أما السائق تحديدًا ؛ فقد تغيرت صورته في حياتنا المعاصرة؛ فالمرأة السعودية تقود سيارتها وتمارس تنقلها باستقلالية، ولذلك لم يعد السائق مقتضى عامًا من مقتضيات الزواج لمجرد كون الزوجة امرأة. قد تفرضه ظروف خاصة، لكنه عندئذ خيار تقتضيه الحاجة، لا حق مفترض في كل زواج.
وكذلك الخادمة؛ فقد تكون حاجة حقيقية في أسرة يعمل فيها الزوجان، أو كثيرة الأبناء، أو تفرض ظروفها وجودها، وقد تكون في بيت آخر رفاهية يمكن الاستغناء عنها.
ما كان حاجة في زمن،
؛ قد يصبح خيارًا في زمن آخر.
لكن القضية الأعمق هي التربية.
لا نريد للفتاة أن تدخل بيت زوجها محرومة، ولا أن تدخله وهي تحمل دفتر مطالب. نريدها أن تعرف قيمة المال والعمل والشراكة، وأن تسأل: «ماذا سأضيف أنا إلى هذه الحياة؟» كما تسأل: ماذا سيضيف الزوج إليها؟
وكذلك الشاب؛ لا نريده أن يقيس رجولته بقدرته على شراء كل ما تطلبه زوجته، ولا أن يجعل رفاهية البدايات معيارًا دائمًا للحياة. فالرجولة ليست في استنزاف الدخل، وإنما في حسن تدبيره وحماية الأسرة من تقلبات الغد.
فالزوجة ليست مستهلكًا، والزوج ليس جهاز صراف آلي؛ كلاهما شريكان في بناء بيت، وإن اختلفت مسؤوليات كل منهما.
وقبل أن يسأل الشاب: «هل أستطيع أن أوفر لها خادمة وسائقًا؟»، وقبل أن تسأل الفتاة: «هل سيوفر لي زوجي ذلك؟»، ينبغي أن يجلس الاثنان أمام السؤال الذي قد يختصر مستقبل زواجهما:
ما الحياة التي نريد أن نعيشها بعد عشرين عامًا؟
كم سننفق؟ كم سندخر؟ ماذا سنملك؟ كيف سنواجه الطوارئ؟ ماذا سنفعل حين يأتي الأبناء؟ وكيف نحافظ على مستوى معيشتنا دون أن نستهلك مستقبلنا في حاضرنا؟
فهذه هي الثقافة الاقتصادية التي يحتاجها المقبلون على الزواج: الزواج ليس زيادةً في الدخل فقط، بل إعادة توزيع للدخل على عمر كامل.
قد يكون الاتفاق على خادمة، أو أي خدمة أخرى، قرارًا صائبًا إذا دخل ضمن قدرة الأسرة وخطتها؛ لكن الفارق كبير بين أن تكون الرفاهية اختيارًا مشتركًا، وبين أن تصبح معيارًا للحب والكرم والرجولة.
فالزواج الذي يبدأ بالسؤال: «ماذا ستوفر لي؟» قد ينتهي بالسؤال: «أين ذهب كل ما كنا نملك؟»
أما الزواج الذي يبدأ بالسؤال: «ماذا سنبني معًا؟» فله حكاية أخرى.
ليس نضج الأسرة أن تملك كل ما تستطيع شراءه، وإنما أن تعرف ما ينبغي أن تشتريه، وما ينبغي أن تدّخره، وما ينبغي أن تبنيه.
فالحياة الزوجية ليست أول سنة من الزواج؛ إنها السنوات التي تأتي بعدها.