ليست المملكة العربية السعودية جاهلةً حتى يخدعها المتصنّعون، ولا غافلةً حتى تفاجئها خيانة المتقلّبين. تعرف الوجوه التي تتبدّل، والمواقف التي تُباع، والألسنة التي تمدح في الرخاء وتطعن في الشدائد. ولا تحتاج إلى أزمةٍ لتكتشف معادن الرجال، ولا إلى حربٍ لتعرف مواقف الدول، ولا إلى خيانةٍ لتدرك ما تخفيه الصدور. فليس كل من صمت عن الخيانة يجهل أهلها، وليس كل من تجاوز الإساءة عجز عن ردّها، وليس كل من أحسن إلى جاحدٍ ينتظر منه الوفاء.
لقد احتضنت المملكة دولًا حين ضاقت بها أوطانها، ومدّت يدها إلى شعوبٍ حين تخلّى عنها جيرانها، وفتحت خزائنها حين أُغلقت الأبواب، وسخّرت مكانتها السياسية حين عزّ النصير، وقدّمت من أمنها وجهد أبنائها حين كان الوقوف إلى جانب الأشقاء واجبًا لا يحتمل المساومة. فكم من دولةٍ وجدت في السعودية سندًا يوم انكسر ظهرها، ثم أدارت ظهرها للسعودية يوم اشتدّ عودها! وكم من دولةٍ احتمت بمواقف المملكة، ثم انحازت إلى خصومها! وكم من دولةٍ امتدت إليها يد عطاء السعودية، ثم امتدت منها ألسنة الجحود! وكم من دولةٍ دافعت عنها المملكة سياسيًا، وساندتها اقتصاديًا، ووقفت إلى جانب أمنها واستقرارها، ثم أساءت إليها لاسترضاء غيرها! وكم من مواقف نُسيت، وكم من تضحيات جُحدت، وكم من معروفٍ أُهدر على موائد المصالح المتقلّبة!
ولكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: لماذا غدر هؤلاء؟ بل: هل يظنّ هؤلاء أن السعودية لم تكن تعرفهم؟ هل يظنون أن دولةً بهذا العمق التاريخي، والامتداد السياسي، والثقل الاقتصادي، والقدرة على قراءة التحولات، تعجز عن التمييز بين الصديق وصاحب المصلحة؟ هل يظنون أن وطنًا واجه الأزمات، وعبر المنعطفات، وأدار علاقاته وسط أعقد التوازنات الدولية، يحتاج إلى تصريحاتهم حتى يفهم نواياهم؟ إن من السذاجة أن يظنّ المتقلّب أن تقلّبه ذكاء، أو أن يتوهّم الجاحد أن صمت الكريم غفلة، أو أن يحسب المسيء أن تجاوز الكبير عن إساءته اعترافٌ بالعجز.
وهنا يكمن الفارق بين دولةٍ تحكمها المبادئ والمصالح الوطنية بعقلٍ راجح، وبين من تحكمه الانفعالات والمكاسب العابرة. فالكبير لا يُعيد تشكيل أخلاقه كلما تبدّلت أخلاق الآخرين، ولا يُراجع مبادئه كلما سقط أحدهم من ميزان الوفاء. ومن اعتاد العطاء لا يصبح بخيلًا لأن بعض من أعطاهم جحدوا، ومن جعل الوفاء خُلُقًا لا يتخلّى عنه لأن غيره اتخذ الغدر وسيلة. لكن ذلك لا يعني أن المملكة تنسى حقوقها، أو تتهاون في أمنها، أو تسمح لأحدٍ باستغلال سماحتها. فالتسامح خُلُق، والحزم مسؤولية، والعطاء اختيار، أما حماية الوطن فواجب لا يخضع للمجاملة. والفرق كبير بين قلبٍ يتّسع للآخرين، وقرارٍ يسمح لهم بالعبث بمصالحه.
ومع ذلك، فإن المملكة أكبر من أن تجعل كل إساءة معركة، أو كل تصريح أزمة، أو كل متشدّق خصمًا يستحق الالتفات إليه. فليست الهيبة في كثرة الردود، ولا القوة في ارتفاع الصوت، ولا المكانة في مطاردة كل من أساء. الهيبة أن تملك الردّ ولا تستعجله، والقوة أن تعرف متى تصمت ومتى تحسم، والمكانة أن يبقى قرارك أكبر من استفزازات الآخرين.
أما أولئك الذين يظنون أن التاريخ يبدأ من مواقفهم الأخيرة، فليعلموا أن للتاريخ ذاكرةً لا تُباع، وأن الوثائق لا تجامل، وأن المواقف لا تموت بموت أصحابها. سيبقى في صفحات التاريخ من أعطى ومن أخذ، ومن وفى ومن جحد، ومن حمى ومن تآمر، ومن وقف يوم الشدائد ومن اختبأ حتى انقشعت الغيوم. وليس على المملكة أن تكشف كل مستور؛ فبعض الأقنعة يسقطها أصحابها بأيديهم، وبعض الوجوه يفضحها تقلّبها، وبعض المواقف تتكفّل الأيام بتعريتها.
وحين تنكشف حقيقة أحدهم، لا ينبغي أن نحزن على ما قدّمناه له من معروف، لأن المعروف يُحسب لصاحبه، أما الجحود فيبقى شاهدًا على صاحبه. فليس عيبًا أن تعطي من لا يستحق، ولكن العيب أن يكون الجحود طبعًا فيمن أخذ. وليس نقصًا في الكريم أن يخونه من أكرمه، وإنما النقص فيمن لم تحفظ له كرامته معنى الوفاء.
وهكذا ستبقى المملكة العربية السعودية، بإذن الله، شامخةً في مواقفها، راسخةً في مبادئها، حازمةً في حماية أمنها، كريمةً في عطائها، لا تستجدي محبة أحد، ولا تشتري ولاء أحد، ولا تجعل رضا الآخرين شرطًا لثباتها. ستواصل مسيرتها، تمدّ يد الخير حيث تقتضي الحكمة والمصلحة والواجب، وتبني مستقبلها، وتصون سيادتها، وتترك لكل دولةٍ أن تختار الصفحة التي تريد أن يكتبها التاريخ عنها. فالسعودية لا تحتاج إلى أن تُثبت للجاحدين أنها كانت كريمة، ولا إلى أن تُقنع الحاقدين بأنها عظيمة. يكفيها أن تاريخها يشهد لها، وأن حاضرها يتحدث عنها، وأن مستقبلها يُصنع بإرادة أبنائها.
أما الذين يتبدّلون مع اتجاه الرياح، فستظل الرياح تقلب صفحاتهم، بينما يبقى الوطن ثابتًا في مكانته. فليس كل من أعطى ندم، وليس كل من جُحد خسر، وليس كل من غُدر به انكسر. وقد يخسر الجاحد وطنًا وقف معه، لكن الوطن الكبير لا يخسر مكانته حين يفقد جاحدًا. وستبقى قافلة السعودية ماضية، تحمل الخير بيد، وتحمي سيادتها باليد الأخرى، لا يوقفها نباح المصالح، ولا يغيّر اتجاهها غبار الجحود.
فمن أراد أن يعرف السعودية، فليقرأ تاريخ مواقفها، لا تصريحات خصومها. ومن أراد أن يعرف أولئك، فليقرأ مواقفهم حين انتهت مصالحهم. فالسعودية تعرفهم جميعًا، ولكنها تترك للتاريخ أن يعرّيهم في سجلاته ودواوينه. وتستمر السعودية شامخةً في كل زمان ومكان.