الاثنين 02 نوفمبر 2026 - 23 جمادى الأولى 1448
أنت تكتبها ..... ليقرأها العالم
إعلان
AR 2026-11-02 15 مشاهدة

الوعي السياحي وأبعاده التنموية.. الباحة أنموذجًا

جاهز لتشغيل القراءة الصوتية.
الوعي السياحي وأبعاده التنموية.. الباحة أنموذجًا

أدوات القراءة

مدة القراءة: 1 د

لا تُقاس قيمة الوجهات السياحية بما تمتلكه من طبيعة جميلة أو مواقع تاريخية وتراثية فحسب، وإنما بمقدار الوعي الذي يصاحب التعامل معها، ويحفظ قيمتها، ويحوّلها إلى مكتسبات مستدامة تنتقل من جيل إلى آخر. ومنطقة الباحة، بما حباها الله من تنوع طبيعي، وإرث تاريخي وثقافي، ومواقع أثرية، وقرى تراثية، وغابات وجبال وأودية؛ تمثل بيئة مثالية لبناء منظومة متكاملة من الوعي السياحي والتراثي والأثري والبيئي والتنموي.

وهذه المنظومة تتوافق في جوهرها مع ما تستهدفه رؤية السعودية 2030 بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – من تنويع الاقتصاد، وتنمية الوجهات السياحية، وتحسين جودة الحياة، والمحافظة على البيئة والتراث والهوية الوطنية، وتمكين المجتمعات المحلية لتكون شريكًا فاعلًا في التنمية.

وفي منطقة الباحة، تتكامل هذه التوجهات الوطنية مع ما تبذله إمارة المنطقة من جهود متواصلة في دعم التنمية، ومتابعة احتياجات المحافظات والمراكز، وخدمة أهالي المنطقة، وتعزيز المشروعات والمبادرات التي تسهم في رفع جودة الحياة وتحسين البيئة السياحية والتنموية. ويأتي ذلك بمتابعة ودعم صاحب السمو أمير منطقة الباحة وسمو نائبه – حفظهما الله – وحرصهما على كل ما من شأنه خدمة المنطقة وأهلها، واستثمار مقوماتها الطبيعية والتاريخية والثقافية، وتحويل ما تتميز به إلى فرص تنموية مستدامة تحقق مستهدفات الرؤية وتنعكس آثارها على المواطن والزائر معًا.

فالوعي السياحي لا يعني معرفة المواقع السياحية أو زيارتها فقط، بل يتجاوز ذلك إلى إدراك قيمة المكان، واحترام خصوصيته، والمحافظة على مرافقه، وحسن التعامل مع الزائر، وإبراز الصورة الحضارية للمنطقة. والمواطن في أي وجهة سياحية شريك أساسي في نجاحها؛ إذ يبدأ الانطباع الحقيقي عن المكان من المجتمع المحلي وسلوكه وثقافته في الاستقبال والتعامل والمحافظة على مقدرات منطقته.

أما الوعي التراثي فهو إدراك أن البيوت القديمة والقرى والأسواق والعادات والحرف والموروث الشعبي ليست مجرد شواهد من الماضي، وإنما جزء من هوية المجتمع وذاكرته الثقافية. وتمتلك الباحة رصيدًا غنيًا من هذا التراث، يظهر في عمارتها التقليدية وقراها التاريخية وموروثها الاجتماعي والثقافي، ومن أبرز الشواهد على ذلك قرية ذي عين التراثية وغيرها من المواقع التي تختزن ذاكرة الإنسان والمكان. والمحافظة عليها لا تتحقق بالترميم وحده، بل بتعريف الأجيال بقيمتها وتوظيفها تنمويًا وسياحيًا واقتصاديًا بصورة تحفظ أصالتها.

ويتصل بذلك الوعي الأثري؛ فالمواقع والنقوش والطرق القديمة وبقايا الاستيطان البشري شواهد علمية على تاريخ المنطقة وحركة الإنسان فيها عبر العصور. والأثر ليس حجرًا صامتًا، بل وثيقة تاريخية قد تسهم في إعادة قراءة مرحلة كاملة من تاريخ المكان. ومن هنا فإن العبث بالمواقع الأثرية أو نقل محتوياتها أو الكتابة عليها لا يمثل اعتداءً على موقع فحسب، بل قد يؤدي إلى فقدان معلومة تاريخية لا يمكن تعويضها.

وتأتي البيئة بوصفها الحاضنة لكل ذلك؛ ولذلك فإن الوعي البيئي يمثل أساسًا لاستدامة السياحة والتنمية. فغابات الباحة وجبالها وأوديتها ومدرجاتها الزراعية وغطاؤها النباتي ليست مشهدًا جماليًا فحسب، وإنما منظومة بيئية وثروة وطنية تحتاج إلى الحماية من التلوث والاحتطاب والإضرار بالنباتات وإلقاء المخلفات والممارسات التي تشوه المكان أو تخل بتوازنه الطبيعي.

أما الوعي التنموي فهو الحلقة التي تربط هذه الركائز جميعًا؛ لأنه يقوم على إدراك أن السياحة والتراث والآثار والبيئة ليست قطاعات منفصلة، بل موارد وطنية يمكن أن تسهم مجتمعة في صناعة التنمية، وخلق الفرص، وتمكين الشباب، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتشجيع الاستثمار، وتحسين جودة الحياة، مع المحافظة على هوية المكان وخصوصيته.

والحقيقة أن هذه الأنواع من الوعي لا ينبغي أن تعمل منفصلة؛ فالزائر الذي يدرك قيمة البيئة سيحافظ على الغابة، ومن يعرف قيمة التراث سيحترم القرية القديمة، ومن يعي أهمية الآثار لن يعبث بموقع تاريخي، ومن يمتلك الوعي السياحي سيدرك أن سلوكه جزء من صورة المنطقة وسمعتها، ومن يمتلك الوعي التنموي سيدرك أن المحافظة على هذه المقدرات ليست مسؤولية جهة بعينها، بل استثمار في مستقبل المنطقة وأجيالها.

ومن الإنصاف التأكيد على أن أهالي منطقة الباحة وشبابها يملكون حسًّا واعيًا تجاه السياحة والتراث والآثار والبيئة والتنمية، وهذا ما نشاهده ونعلمه ونلمسه واقعًا، ونحن شهود عيان على كثير من صور الاهتمام بالمكان والمحافظة عليه والاعتزاز بموروثه وهويته. وهذا الوعي المجتمعي يمثل رصيدًا مهمًا يمكن البناء عليه وتعزيزه وتوسيعه.

غير أن هذا الحس يحتاج إلى برامج إعلامية وتوعوية وتدريبية مكثفة ومستدامة، تسهم في تحويله إلى ثقافة راسخة ومنهج دائم، مع أهمية التعريف بالأنظمة واللوائح والتعليمات التي تنظم هذه الركائز وتحكم التعامل معها، والتوعية بالحقوق والواجبات والمسؤوليات المرتبطة بها؛ حتى يستند الوعي المجتمعي إلى معرفة واضحة بالإطار النظامي الذي يحمي المواقع السياحية والتراثية والأثرية والبيئية ويصونها من التجاوز أو العبث أو الإضرار.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى مشروع توعوي وتنموي متكامل، تشارك فيه إمارة المنطقة والجهات المعنية بالسياحة والثقافة والتراث والبيئة والتعليم والإعلام والبلديات والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، بحيث تتحول التوعية من حملات موسمية إلى ثقافة مستدامة تبدأ من المدرسة والأسرة، وتعززها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمواقع السياحية والفعاليات والمهرجانات.

كما يمكن للجامعات والباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة أن يؤدوا دورًا أكبر في توثيق المواقع ودراستها والتعريف بها، مع إعداد محتوى علمي مبسط يستطيع السائح والمواطن الوصول إليه؛ لأن المعرفة بالمكان هي المدخل الأول للمحافظة عليه. ويمكن كذلك الاستفادة من التقنيات الحديثة في التعريف بالمواقع السياحية والتراثية والأثرية، وقيمتها التاريخية، وطرق المحافظة عليها، وأبرز الأنظمة والضوابط المنظمة للتعامل معها.

إن الباحة لا تحتاج إلى تسويق جمالها فحسب؛ فجمالها حاضر ومشاهد، وإنما تحتاج إلى تعميق الوعي بقيمة هذا الجمال وتحويله إلى قوة تنموية مستدامة. فالتنمية السياحية الحقيقية ليست في زيادة أعداد الزائرين وحدها، وإنما في تحقيق معادلة تحفظ المكان، وتثري تجربة الزائر، وتدعم المجتمع المحلي، وتوفر الفرص، وتصون الهوية.

وحين يصبح السائح واعيًا، والمجتمع معتزًا بتراثه، والأثر مصانًا، والبيئة محفوظة، والتنمية حاضرة في التفكير والممارسة، والأنظمة معروفة ومحترمة؛ تتحول السياحة إلى ثقافة تنموية مستدامة، وتصبح الباحة بما تمتلكه من ثراء طبيعي وتاريخي وتراثي، وما تحظى به من دعم واهتمام من إمارة المنطقة وقيادتها، نموذجًا وطنيًا في الجمع بين الإنسان والمكان والتاريخ والبيئة والتنمية، تحقيقًا لمستهدفات رؤية السعودية 2030، وطموحات قيادة جعلت من الإنسان وجودة حياته وتنمية وطنه محورًا للمستقبل.

وعيٌ يحفظ المكان.. وتنميةٌ تستدام للأجيال.

مشاركة المقال

شارك المقال عبر الشبكات الاجتماعية أو انسخ الرابط مباشرة.