Thursday 18 Jun 2026 - 03 Muharram 1448
Write it here… let the world read it.
Available advertising space
AR 2026-06-15 6 views

الديات بين حقّ أولياء الدم ومصلحة المجتمع

Ready to play audio.
الديات بين حقّ أولياء الدم ومصلحة المجتمع

Reading tools

Reading time: 1 min

من القضايا المجتمعية التي تستحق وقفة جادة من المشرّع، قضية المبالغة في طلب الديات عند التنازل عن القصاص؛ إذ تحوّل الأمر في بعض الحالات إلى أرقام مفتوحة تصل إلى ملايين الريالات، دون وجود سقف نظامي واضح ينظم هذه المسألة ويحفظ التوازن بين الحقوق.

فالأصل الشرعي أن القصاص حقّ لأولياء الدم، ولهم أن يقتصّوا، أو يعفوا بلا مقابل، أو يعفوا إلى دية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. غير أن الواقع أفرز ممارسات تحتاج إلى ضبط؛ إذ أصبحت بعض الديات تتجاوز حدود المعقول، وتخضع أحيانًا للعاطفة أو الضغوط الاجتماعية أو تدخل بعض الوسطاء، مما أثقل كاهل الأسر، وأوجد شعورًا بأن حياة الإنسان أصبحت رهينة لمبالغ مالية غير منضبطة.

إن وجود سقف نظامي للدية في حالات التنازل لا يتعارض مع حفظ حق أولياء الدم، بل يحقق مقاصد أوسع، من أهمها:

* منع الاستغلال والمغالاة التي قد تصل إلى حد المتاجرة بالمآسي.

* تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين.

* الحد من الضغوط النفسية والمالية التي تعيشها أسر الجناة.

* تقليص ظاهرة حملات جمع الأموال التي قد تمتد لسنوات طويلة.

* تعزيز هيبة النظام، بحيث تكون الأحكام واضحة ومنضبطة للجميع.

وفي المقابل ؛ فإن تشديد العقوبات التعزيرية في جرائم القتل غير العمد الناتجة عن الإهمال الجسيم أو التهور، إلى جانب التوعية المجتمعية، يسهم في خفض معدلات وقوع هذه الجرائم، دون الحاجة إلى ترك مسألة الديات مفتوحة بلا ضابط.

إن المطالبة بتنظيم هذا الملف ليست انتقاصًا من حقوق أولياء الدم، ولا دعوة إلى تقييد ما أقرته الشريعة، وإنما هي دعوة إلى تقنين الإجراءات المالية المصاحبة للتنازل بما يحقق العدل ويراعي مصلحة المجتمع، خاصة أن ولي الأمر يملك – وفق السياسة الشرعية – سن الأنظمة التي تمنع الضرر وتسد أبواب الفساد.

وقد قيل: “إذا غابت الضوابط، حضرت الفوضى”. والأنظمة الناجحة ليست تلك التي تنتصر لطرف على حساب آخر، وإنما التي تحفظ الحقوق، وتمنع الظلم، وتحقق الاستقرار الاجتماعي.

لذلك ؛ فإن من المناسب إعادة النظر في آلية تقدير الديات عند التنازل عن القصاص، من خلال وضع حد أعلى واضح، وإسناد تقدير الحالات الاستثنائية إلى لجان قضائية مختصة، بما يضمن عدم تحول الدماء إلى مزادات مفتوحة، ويحفظ في الوقت ذاته مكانة العفو وقيمته النبيلة في المجتمع.

فحين تنتظم الحقوق تحت مظلة النظام، يطمئن المجتمع إلى أن العدالة لا تُشترى، والرحمة لا تُستغل، والدماء لا تكون مجالًا للمغالاة والمزايدة.

Share Article

Share the article across social networks or copy the direct link.