Sunday 05 Jul 2026 - 20 Muharram 1448
Write it here… let the world read it.
Available advertising space
AR 2026-07-05 27 views

خاطرة فكريَّة البُعْبُع

Ready to play audio.
خاطرة فكريَّة    البُعْبُع

Reading tools

Reading time: 1 min

"ليس أخطر الناس من يملك السلطة، بل من يملك في نفوس الآخرين خوفاً يُعفيه من المساءلة".

إلى كلِّ من ظن أن الصمت حكمة ؛ فإذا به يصنع من الوهم سلطاناً، ومن الإنسان بُعْبُعاً.

البُعْبُع في أصل الحكاية كائنٌ متخيَّل، لا وجود له إلا في مخيلة الخائفين؛ يُستحضر لإرهاب الصغار وحملهم على الطاعة.

غير أن الحياة الاجتماعية أوجدت «بعبعاتها» الخاصة؛ أشخاصاً لم تصنعهم عظمةُ الفكر، ولا رفعةُ الخُلُق، ولا فرادةُ الشخصية، وإنما صنعتهم رهبةُ الناس منهم، وخوفُ الناس عليهم.

ثمة أسماءٌ بلغت من المكانة مبلغاً جعلها في نظر بعض الناس أكبر من المساءلة، وأرفع من النقد، وأسمى من أن يُقال لها: لماذا فعلتم؟ وكيف قلتم؟ فإذا خالفهم أحد، أو آثر أن يقف خارج دائرة الرضا ؛ نُصبت له المشانق المعنوية، وشُوِّهت سمعته، وحُمِّل من التهم ما ليس فيه؛ لا لجريرةٍ اقترفها، بل لأنه أبى أن يكون رقماً في قافلة المصفقين.

وهنا يولد «البُعْبُع»؛ لا من قوةٍ ذاتية، بل من خوفٍ جماعي.

فكلُّ صمتٍ عن الحق يضيف إلى سلطانه، وكلُّ تزلّفٍ يمنحه مساحةً جديدة من النفوذ، وكلُّ مجاملةٍ على حساب المبدأ ؛ تضع في يده سوطاً آخر. ولأجل ذلك قيل: "الظالم لا يقوى بطبعه، وإنما يقوى بسكوت غيره".

والعجيب ؛ أن هذه الشخصيات المتنمرة لا تستمد هيمنتها من رجاحة عقل، ولا من سمو نفس، بل من قدرتها على استثمار المكانة التي تتبوأها، وتحويلها إلى أداة للترهيب والإقصاء وتصفية الحسابات.

فهي تدرك أن كثيراً من الناس لا يخشون الحقيقة بقدر ما يخشون خسارة القرب، أو فوات المصلحة، أو الوقوع تحت دائرة السخط.

ولذلك ؛ ترى حول «البُعْبُع» حاشيةً من المنهزمين، يقرؤون مزاجه قبل أن يتكلم، ويوافقونه قبل أن يطلب، ويتسابقون إلى مرضاته، حتى غدت المجاملة عندهم فضيلة، والصمت عن الخطأ حكمة، والتنازل عن المبدأ لوناً من حسن التدبير.

ولو فتشت في أعماق المشهد ؛ لوجدت أن البُعْبُع ليس هو الأخطر، بل الذين منحوه هذه الصورة المتضخمة؛ لأن الاستبداد الفردي لا ينمو إلا في تربة الخوف، ولا يشتد عوده إلا بسقيا المتزلفين.

ومن هنا تتجلى الحكمة الخالدة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب: "لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه".

وليست هذه الخاطرة وقوفاً عند الأشخاص، ولا انشغالاً بالأسماء، وإنما هي دعوةٌ إلى أن تبقى الموازين مستقيمة: فلا تتحول المكانة إلى حصانةٍ تعلو على النقد والمساءلة، ولا يتحول الصمت عن الخطأ إلى شراكةٍ غير معلنة في صناعته، ولا يتحول الخوف إلى نحاتٍ ماهر يصنع من البشر أصناماً، ثم يُقنع الناس أن السجود لها من الحكمة وحسن التدبير.

إن البُعْبُع في معناه المجازي ليس رجلاً قوياً، بل صورة متضخمة لرجلٍ عادي، أحاطته الأوهام بهالة من الرهبة حتى ظن الناس أنه لا يُغلب، ولا يُعارض، ولا يُساءل. ولو أن النفوس تحررت من خوفها، ونظرت إليه بعين الحقيقة ؛ لعاد إلى حجمه الطبيعي؛ فكم من بُعْبُعٍ أرعب الناس سنين، فلما انكشف الغبار ؛ لم يكن إلا ظلاً طويلاً صنعته شمس الخوف.

إن أعظم ما يبدد سطوة «البُعْبُع» ليس الصدام معه، وإنما تحرير النفوس من الوهم الذي أحاط به؛ فالأوهام إذا اجتمعت صنعت طاغية، وإذا تبددت أعادت الأشياء إلى أحجامها الطبيعية.

البُعْبُع لا يكبر بقوته، بل يكبر كلما صغر الناس أمامه.

وكلُّ بُعْبُعٍ يبدأ وهماً في النفوس، وينتهي حجمه الحقيقي يوم يتوقف الناس عن الخوف منه.

Share Article

Share the article across social networks or copy the direct link.