كم كنت جميلاً يا عمدتنا! كنت تحرص على جمع شتاتنا حول طاولتك القديمة وكرسيك العتيق، تدندن بكلمات التآلف والتعاضد والمحبة، فكنتَ للحارة بمثابة القلب الذي يضخُّ الدفء في شرايينها.
صحيح أنني كنت مقصراً في الجلوس بجوارك، ولعلّ السبب الأول هو قصور إدراكي آنذاك عن استيعاب المدى الذي تصل إليه همومك وطموحاتك ورغباتك النبيلة. لكن ذاكرة الطفل التي لا يمحوها الزمان، كانت تُسجّل كل حركة وتصرف؛ كنتُ أستشعر لذة تلك المواقف حتى وإن لم تكن تعنيني بصفة مباشرة، ففرحة الطفل وابتسامته الصادقة تفرض نفسها لتُدوّن تلك السلوكيات النبيلة في سجل تاريخك.
يا عمدتنا العزيز
أتذكر في كل عيد، كيف كنتَ تحثنا -آباءً وأطفالاً- أن نتوجه بزياراتٍ صلةً لبنات الحارة اللاتي تزوجن وانتقلن إلى ديارٍ أخرى، حتى صرن نساءً طاعنات في السن، لنقدم لهن الهدايا باسم "أبناء الحارة ". كيف كانت عيونُهن تنتشي فرحاً، وكيف كنّ يترقّبن تلك اللفتة في العيد القادم كأنها طوق نجاة! ما أروع كرمك الذي كان نابعاً من سجيتك، وما أجمل حضورك وأنت تعالج المشاكل -رغم قلتها حينها- ببساطةٍ فطرية؛ فقد كانت النفوس نقية، ولم تكن الحياة قد انفتحت علينا بمشاكلها المعقدة التي نعايشها اليوم. ومع تلك البساطة، كنتَ عظيماً في تواضعك، صبوراً في معالجتك للأمور، بعيداً في نظرتك للقيم.
يا عمدتنا، إن سمحت لي بصراحتي المرة وأنا أقف اليوم أمام قبرك وقبور إخوانك بعد سنوات طوال: لقد ارتكبتَ خطأً فادحاً! لقد قصرتَ في صيانة الكرسي ليستمر قوياً لمن سيجلس عليه من بعدك، ربما لأنك ظننتَ بصفاء قلبك وحسن أخلاقك أن الحارة ستظل محصنة بذات القيم التي زرعتها، وأنها لن تتضرر برحيلك. لكن الواقع كان أقسى مما توقعت.
اليوم، يا عمدة الحارة، أخبرك بأن تلك الأمجاد الجميلة لم نعد نشاهدها، بل كادت أن تندثر من ذاكرتنا. الكرسي الذي كنت تجلس عليه صار متهالكاً، يترنح ويكاد يسقط. أما الذين كانوا يحيطون بك صغاراً، فقد صاروا اليوم يرتدون "مشالح العمودية"، يتصدرون المشهد وكأنهم عمد على أحياءٍ بلا سكان، تذروها الرياح من كل جانب، وتتساقط أبوابها الخشبية أمام أنين الريح الذي لا يهدأ.
يا كرسي العمدة:
لقد كنتَ يوماً عنواناً للمكانة والقيمة؛ تستمدُّ هيبتك ممن يجلس عليك. أما اليوم، فاعذرني إن قلتُ إنك صرتَ كابوساً نبتعد عنه، وميداناً تتخطفه أطماعٌ لا تليق بإرث العمدة.
لقد آن الأوان لنحطم هذا المفهوم المتكلس، ونقذف به في عالم النسيان. آن للحارة أن ترتقي، فتتخذ من العلم والتطور نبراساً لكل فكرٍ نافع، بدلاً من التمسك بأطلال "كرسي" لم يعد يغني ولا يسمن من جوع. أما من يعشق التمسك بالأوهام، فليستمر في عناق هذا الكرسي العتيق إلى يوم الدين، أما نحن، فقد آن لنا أن نبني كياناً يليق بالعصر، لا كياناً يقتات على أمجادٍ ولى زمانها.
بقلم: جلعود بن دخيّل
6 محرم 1448هـ