كان في طفولته، إذا أُصيب بالزكام، الذي كانوا يسمّونه «الرعام»، ومفرده «الرعامة»، يمسح انفه بأكمام ثوبه؛ لعدم توفر المناديل الصحية التي يحملها أطفالنا اليوم في جيوبهم منذ نعومة أظفارهم.
ولأن أطفال «الناق ناق» لم يكن لديهم ما يشغلهم سوى إطلاق التعليقات الساخرة والتنابز بالألقاب، أطلقوا عليه لقب «أبو رعامة» استهزاءً به وسخريةً منه.
وظل هذا اللقب يلاحقه في جميع تفاصيل حياته، حتى أصبح بعضهم لا يعرف اسمه الحقيقي، ولا يناديه إلا بذلك اللقب الذي التصق به سنواتٍ طويلة.
عاش أبو رعامة في طفولته كغيره من أبناء أسرته الفقيرة، بين أبناء قبيلته «الناق ناقيون ». ومن الطبيعي أن الحياة قديمًا لم تكن تشبه، في جميع تفاصيلها، ما نعيشه اليوم من رغد العيش وتوفّر متطلبات الحياة والاحتياجات الشخصية.
لقد كان فاقدًا متعة تلك المرحلة الجميلة، بل عاشها بكل ما فيها من ألم وحزن وانكسار. ابتعد عن اللعب مع أقرانه؛ بسبب تنمّرهم عليه واحتقارهم له، وأصبح يفضّل العزلة على مواجهة ضحكاتهم وتعليقاتهم الجارحة.
وعندما أصبح شابًا، أخذ يتجنّب حضور المجالس والمناسبات التي يتأكد أن أبناء قبيلته سيكونون موجودين فيها؛ خوفًا من أن يسمع ذلك اللقب مجددًا، أو أن يعود به أحدهم إلى ذكريات الطفولة المؤلمة.
وأدرج تلك المعاناة ضمن رحلة كفاح طويلة، أراد من خلالها أن يثبت للجميع أنه أفضل منهم، أو أنه على الأقل ليس أقل شأنًا من كثيرين منهم، ممن لم يحققوا ولو جزءًا يسيرًا من إنجازاته.
وبتوفيق من الله ثم بفضل ذكائه واجتهاده، تدرّج في جميع مراحله الدراسية بتفوق منقطع النظير، وأصبح مجتمعه يشير إليه بوصفه مبدعًا ومكافحًا ومتميّزًا في تحصيله العلمي.
نسي الجميع تقريبًا لقبه القديم، إلا أنه شخصياً لم ينسه وظل ذلك اللقب ساكنًا في داخله، يطارده في هواجسه، ويخشى أن يطلقه عليه أحدهم في لحظة خلاف أو أثناء نقاش حاد، فيعيده بكلمة واحدة إلى سنوات الألم والانكسار.
حصل أبو رعامة على درجة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية مع مرتبة الشرف، وعاد إلى وطنه يحمل شهادته العالية، ويحمل معها ظنونه القديمة وآلامه التي لم تبدّدها السنون، ولا المسافات الطويلة، ولا الغربة عن الأوطان.
عاد وكأنه يريد أن يقول لهم، من خلال كل تصرفاته:
ها أنا ذا… لقد أصبحت أفضل منكم في كل شيء!
لم تعد الشهادة بالنسبة إليه مجرد إنجاز علمي، بل تحوّلت إلى وسيلة لإثبات الذات، وتعويض النقص، والانتقام الصامت من كل من سخر منه في طفولته أو قلّل من شأنه.
أشغل أبو رعامة قبيلته الناق ناقيون وأبناءها بكل أسلوب يمكن أن يبرزه عن غيره؛ فتجده يصنع لنفسه الاحتفالات والتكريمات، وينفق عليها ببذخ وإسراف، ويحرص على الوقوف أمام الشاشات، وإبراز مواهبه وقدراته في كل مناسبة.
ومع مرور الوقت ولم يعد يفرّق بين الإنجاز الحقيقي والاستعراض، ولا بين احترام الذات والتعالي على الآخرين ، أصبح يبحث عن التصفيق أكثر من بحثه عن الأثر، وعن الأضواء أكثر من بحثه عن القيمة.
الناق ناقيون اليوم يساهمون في ترفيع أبو رعامة وأمثاله، وقدّموهم بوصفهم قدوات، وصفّقوا لهم، وتجاهلوا أصحاب التواضع والأخلاق النبيلة مع ماحققوا من إنجازات.
فهل نلوم مجتمعهم ام نلوم أبو رعامة وأمثاله؛ لأنهم لم يستطيعوا تحقيق التوازن النفسي في مواجهة أزماتهم القديمة، فحوّلوا النجاح إلى استعراض، والإنجاز إلى تعالٍ، والتكريم إلى وسيلة لتعويض ما فقدوه في طفولتهم؟
إن مشهد أبو رعامة لم يعد حالة نادرة، بل أصبح يتكرر في كثير من المجتمعات.
فخلف كثير من مظاهر البهرجة والتفاخر وادّعاء الزعامة، قد توجد قصص قديمة من الألم، والحرمان، والتنمر، والشعور بالنقص.
غير أن الألم لا يمنح صاحبه الحق في إيذاء الآخرين، والنجاح لا يبرّر الغرور، والإنجاز لا يكتمل إلا بالتواضع والأخلاق وحسن التعامل.
فليس كل من ارتفع صوته عظيمًا، ولا كل من كثرت احتفالاته ناجحًا، ولا كل من وقف أمام الشاشات أصبح قدوة.
وقد ينسى الناس ألقاب الطفولة، لكن بعض أصحابها يظلون أسرى لها طوال حياتهم.