Tuesday 11 Aug 2026 - 28 Safar 1448
Write it here… let the world read it.
Available advertising space
AR 2026-08-11 13 views

الناحرون للإبل… والناحرون للمكارم

Ready to play audio.
الناحرون للإبل… والناحرون للمكارم

Reading tools

Reading time: 1 min

ينحر بعضهم الإبل ليحقق من خلالها أهدافًا شخصية، ولا يخفى على أحدٍ أن وراء بعض اكرر ( بعض ) المشاهد مصالحَ ومآربَ، قريبةً كانت أو بعيدة.

ومن يتابع منصات الإعلام يرى أن في هذا المضمار من سبق وَلَحِق، ومن بدأ ويسعى أن يلحق؛ فمنهم من قطع أشواطًا، ومنهم من لا يزال عند بداية الطريق، وكلٌّ يمضي نحو غايته، ويبحث عن نصيبه من الضوء والحضور والأثر.

وعلى الجهة الأخرى، يقف قومٌ يصفقون حينًا، ويعاتبون حينًا، ويباركون مرةً وينتقدون أخرى، حتى أصابت بعضهم الحيرة مما يجري في مجتمعٍ مترامي الأطراف، متعدد المشارب والأعراف؛ فما يراه قومٌ مكرمةً، يراه آخرون مبالغة، وما يعدّه أحدهم وجاهةً يعدّه غيره إسرافًا ومباهاة.

وكان لي مع هذه المشاهد وقفات، ووقعتُ مثل غيري في حيرة التشخيص، فسألت نفسي أسئلةً، واستنطقتها باستفسارات:

هل ما يحدث إيجابي أم سلبي؟

وهل يستحق الإشادة أم العتاب؟

وهل الصمت حيادٌ، أم أن النقد المباح أحيانًا أبلغ من الصمت الغير مباح؟

والمهم أن نجد جوابًا قبل أن تغرب حيرتنا وتشرق شمس الصباح.

فآثرت أن أنظر إلى الجهة الأخرى من المشهد؛ لأن الحكم على نصف الصورة قد يصنع نصف الحقيقة، والمقارنة العادلة تُنصف الرجال والأفعال، وبالأضداد تتميز الأشياء، وبالمقارنة تنكشف الحقائق.

وعندها وجدت أن مظاهر نحر الإبل، وفتح المجالس، واستقبال الوفود، وتعدد الضيافات، وكثرة الكاميرات والفلاشات، وإن كان حول بعضها ما يقال، فإن وراءها أيضًا كثيرًا من الجميل الذي قد تحجبه ضوضاء النقد.

فخلف هؤلاء الرجال أموال تُبذل، وأوقات تُستقطع، وأبواب تُفتح، ووجوه تبتسم، وصدور تتسع قبل أن تتسع المجالس.

خلفهم ترحيبٌ وعذب كلام، وقدورٌ تدور رحاها والناس نيام، وأيدٍ تمتد حين تنقطع بعض الأيدي، ومواقف تحضر حين يغيب كثيرٌ من الكلام.

وقد تجد أحدهم معك في ضيقك قبل فرحك، وفي عُسرك قبل يُسرك، وينقذك من أزمةٍ أو يخفف عنك ألمًا، بينما قد لا يمنحك بعض منتقديه حتى ابتسامةً أو سلامًا!

إنهم يخسرون من أوقاتهم، وينفقون من أموالهم، ويسخّرون رجالهم وخدماتهم، ويفتحون لك صدورهم كما يفتحون دورهم، وربما كان أقسى منتقديهم أشد الناس عجزًا عن فعل جزءٍ مما يفعلون.

وذات مرة زار أحد «الناحرين» شبيهًا له في الكرم والضيافة، وكان بين الحضور رجلٌ ينظر إليهما في تعجب، ويحدث نفسه قائلًا:

عجبًا! أنا سبب حضوري مصلحة دنيوية أعرفها، فما مصلحة كل واحدٍ منهما عند الآخر؟

وسؤال كهذا يفتح بابًا واسعًا للتأمل؛ فليس كل لقاءٍ مصلحة، وليس كل كرمٍ تجارة، وليس كل ظهورٍ بحثًا عن شهرة، كما أن حسن الظن لا يعني السذاجة، وسوء الظن لا يعني الفطنة.

وقد نظر الناس إلى هذه الظواهر من زوايا مختلفة، وكلٌّ يرى الناس بعين طبعه، ويزن أفعالهم بميزان نفسه:

فمن يكره التصوير والإعلام

رفع صوته باللوم والملام.

ومن يبخل بالحال والمال

زاد غضبًا وأعلن الخصام والجدال.

ومن يعرف درجات القياس

تمسك بالوسط والإنصاف بين الناس.

ومن لا يبالي، وقلبه خالي،

لم يشغله أمر مالحٍ ولا حالي.

ومن ألف البذل رأى الكرم أمرًا طبيعيًا، ومن شقّ عليه العطاء ظنّ كل عطاءٍ رياءً، وهنا تختلط الموازين إن حكمنا على النوايا من ظاهر الصور.

ومع كل ذلك، فإن أهم ما في الأمر أن هناك مكارم لا ينبغي أن تُنحر وسط صخب الحديث عن نحر الإبل؛ فلا قيمة لذبيحة عظيمة إذا ذُبحت معها القيم، ولا معنى لمجلسٍ مفتوح إذا أُغلقت فيه أبواب الصدق، ولا جمال لضيافةٍ فاخرة إذا ضاق معها صدر المضيف بأخيه.

فلْيكن الكرم بلا تبذير، والظهور بلا غرور، والإعلام بلا تضليل، والمدح بلا نفاق، والنقد بلا شقاق، والاحترام بلا تقصير، والاختلاف بلا تجريح، وليكن فوق ذلك كله خوفٌ من الله العلي القدير.

ليس المطلوب أن نمنع الناس من نهجهم، ولا أن نُكثر عليهم اللوم حتى نطفئ كل جميل، ولكن المطلوب أن يبقى الميزان مستقيمًا:

لا نذبح الكرم بحجة محاربة الإسراف، ولا نذبح الحكمة بحجة تشجيع الكرم.

فمَن شاء أن ينحر بعيره فله نيته، ومن شاء أن ينحر من راحته وماله في سبيل مكارم الرجال فله أجر مقصده، والأعمال في النهاية لا تزنها عدسات التصوير، بل تزنها النيات، وتحفظها المواقف، ويكشف حقيقتها الزمن.

ويبقى أجمل النحر:

أن تنحر الأنانية بالإيثار، والبخل بالكرم، والكراهية بالمحبة، والخصومة بالتسامح، والرياء بالإخلاص.

فهذه مكارم إن نحرنا لها من أموالنا ووقتنا ربحنا، وإن نحرناها من أخلاقنا خسرنا.

Share Article

Share the article across social networks or copy the direct link.