اطّلعنا جميعًا على توجيه صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز، أمير منطقة عسير، حفظه الله، بمنع تصوير مجالس الصلح أو توثيق مجرياتها أو تداولها عبر منصات التواصل من دون موافقة رسمية مسبقة.
ولعلي ألتمس من هذا التوجيه الكريم حماية جوهر الصلح من أن يتحول إلى مادة للاستعراض أو الجدل العام، فضلًا عن الكثير من الفوائد التي أوجز بعضها فيما يلي:
* حماية خصوصية أطراف النزاع؛ لأن مجالس الصلح قد تتضمن اعترافات أو تنازلات أو تفاصيل عائلية وقبلية حساسة، ونشرها قد يحرج أصحابها أو يعيد فتح جروح الخلاف ويؤدي إلى تفاقمها.
* تهيئة بيئة أكثر نجاحًا للصلح؛ فحين تغيب الكاميرات، يكون الطرفان أكثر قدرة على التراجع عن المواقف المتشددة وتقديم التنازلات دون خوف من تفسيرها أمام الجمهور على أنها ضعف أو هزيمة.
* منع تحويل الإصلاح إلى استعراض إعلامي؛ فالمقصود من مجلس الصلح هو إنهاء الخصومة ورأب الصدع، لا المنافسة في المشاهدات أو إبراز الأشخاص على حساب القضية.
* الحد من إثارة العصبيات القبلية؛ لأن نشر مقاطع مجتزأة أو عبارات من سياقها قد يستدعي ردودًا وتعليقات من خارج أطراف القضية، فتتحول مسألة في طريقها للحل إلى خلاف أوسع.
* حفظ كرامة المتخاصمين؛ خصوصًا أن ما يقال داخل مجالس الإصلاح قد يكون مناسبًا لإنهاء النزاع، لكنه غير مناسب للنشر العام.
* حماية المفاوضات قبل اكتمالها؛ فالتسريب أثناء المداولات قد يفسد حلولًا ما زالت قيد النقاش، أو يضع الوسطاء تحت ضغط الرأي العام.
* إعادة الهيبة لمجالس الصلح وشيوخ القبائل ولجان الإصلاح؛ بحيث تبقى هذه المجالس مجالًا للحكمة والإصلاح، لا ساحة للمحتوى والتعليقات والمزايدات.
* تعزيز الوئام المجتمعي؛ وهو نهج تؤكد عليه إمارة عسير، إذ شدد سمو أمير المنطقة على أهمية السلم والوئام المجتمعي، ودور المسؤولين ومشايخ القبائل ولجان الإصلاح في إنهاء الخلافات.
وفي تقديري، فإن من أجمل ما يحققه هذا التوجيه أنه يفصل بين التوثيق النافع والتشهير غير المقصود.
وبالمختصر المفيد:
«مجالس الصلح وُجدت لإغلاق أبواب الخلاف، لا لفتح أبواب التعليقات والاستعراضات، ولجمع القلوب، لا لجمع المشاهدات. ومنع تصويرها يحفظ كرامة أطرافها، ويمنح المصلحين مساحةً للحكمة، ويجعل نتيجة الصلح هي الخبر… لا تفاصيل الخصومة.»
مع الإحاطة بأن نتائج الصلح الطيبة سيتداولها المجتمع بعد اكتمالها، دون الحاجة إلى بث كل كلمة قيلت، وكل موقف حدث أثناء المفاوضات.
فلماذا يا سمو الأمير أغلقت على أصحاب الاستعراضات بوابة سعادتهم؟