Thursday 20 Aug 2026 - 08 Rabiʻ I 1448
Write it here… let the world read it.
Available advertising space
AR 2026-08-20 6 views

شرايين لا تنام: كيف أدارت الرياض "عاصفة اللوجستيات" العالمية؟

Ready to play audio.
شرايين لا تنام: كيف أدارت الرياض "عاصفة اللوجستيات" العالمية؟

Reading tools

Reading time: 1 min

عندما تطالع الخرائط الجيوسياسية للاقتصاد الدولي، يتكشف لك أمر يتجاوو حدود الجغرافيا الصامتة، فالأزمات الاستثنائية ليست مجرد اختلالات طارئة في حركة التجارة، بل تعد اختبارًا حقيقيًا لقوة الدول، ولعل التاريخ يُعلّمنا أن الممرات المائية لم تكن يوماً مجرد مياه تتدافع، بل هي الشرايين الحيوية التي تتنفس منها الاقتصاديات؛ وهو ما يتجلى بوضوح عند تأمل التعقيدات الناجمة عن أزمة مضيق هرمز وتصاعد المخاطر الملاحية في البحر الأحمر، حيث تُعيد الأزمات ترتيب خريطة القوة والنفوذ اللوجستي.

في هذا المشهد المضطرب، تتجلى تجربة المملكة العربية السعودية - ضمن رؤية 2030 - كحالة دراسية جديرة بالتأمل العميق، فالحقيقة الثابتة التي تُفصح عنها الأرقام لا تدع مجالاً للمصادفة، فالمملكة لم تكتفِ بالتعامل مع الأزمات المتلاحقة، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى اضطرابات هرمز والملفات المجاورة، بل تحولت بعزم استراتيجي إلى "صمام أمان" يستوعب الصدمات ويضمن تدفق الحركة اللوجستية للإقليم بأكمله عبر منافذها البديلة وموانئها المنتشرة على البحر الأحمر، حيث استوعبت الموانئ السعودية نحو 80% من الشحنات البحرية الموجهة لدول الجوار - أحجاماً ضخمة تجاوزت طاقتها الاعتيادية، بينما تحملت الشبكات البرية نسب مضاعفة دون خلل تشغيلي.

تؤكد هذه التحولات دلالات رقمية موثقة بالمصادر والإحصاءات، حيث تقدمت المملكة 17 مركزاً في مؤشر الأداء اللوجستي  الصادر عن البنك الدولي وفقاً لما نشرته صحيفة "العربية" نقلاً عن وكالة الأنباء السعودية (واس)، ويصاحب هذا الإنجاز تشغيل أكبر منطقة تفويج شاحنات في العالم بميناء جدة الإسلامي بطاقة استيعابية تصل إلى 40 ألف شاحنة يومياً لتسهيل الحركة، مع إدارة أكثر من 500 ألف شاحنة يومياً عبر المسارات البرية لضمان انسيابية الإمدادات؛ وفقاً لما نشرته "صحيفة مال الاقتصادية" و"صحيفة عاجل".

لم  يقتصر الأمر على الشحن البحري والبري فحسب، بل شهدت المملكة ارتفاع معدل نمو الشحن الجوي بنسبة 34% ليصل إلى 1.2 مليون طن للتعامل مع الشحنات العاجلة كمسار استراتيجي بديل، وفقاً للبيانات الرسمية المنشورة في "صحيفة الاقتصادية"، وقد انعكس ذلك في تسجيل الموانئ السعودية مراكز صدارة عالمية، مُتضمنة تصدر ميناء الملك عبد الله وحصول ميناء جدة الإسلامي على مراكز متقدمة دولياً من حيث كفاءة الأداء التشغيلي  بحسب تقرير البنك الدولي  وفقاً لما نشرته "صحيفة مكة" و"صحيفة عكاظ"،  وتتوج هذه الخطوات بالعمل نحو رفع مساهمة القطاع اللوجستي في الناتج المحلي الإجمالي من 6% إلى 10% بحلول عام 2030 ضمن الاستراتيجية الوطنية للنقل.

إن ما يجري على أرض المملكة اليوم لا يُحسب فقط بآلاف الأطنان أو حركة الشاحنات، بل يُقرأ في سياق تشكيل "الأمن اللوجستي العالمي"؛ فالمرونة والشفافية الرقمية والجاهزية التشريعية قد أرسلت إشارات ثقة قوية للمستثمر الأجنبي، مفادها أن هذا السوق يمتلك المقومات والبدائل الجغرافية لضمان الاستقرار والربحية حتى في أشد الأزمات ضراوة، ولعل الشاهد الأكثر دلالة على هذا النجاح الهيكلي يكمن في البُعد الاجتماعي والمعيشي، ففي الوقت الذي شعر فيه العالم أجمع بوطأة أزمة مضيق هرمز واهتزاز سلاسل إمداده، لم يشعر المواطن داخل المملكة بأي نقص أو تعثر، وذلك بفضل المنظومة السعودية التي عملت كخلية نحل متكاملة لتأمين أسواقها وتوفير احتياجاتها بصلابة واقتدار.

وأخيراً وليس آخراً، فقد أثبتت الوقائع أن الأزمات لا تخلق القوة، بل تكشف عنها، وقد كشفت أزمة مضيق هرمز وما سبقتها من كورونا وغيرها من الأزمات أن استثمار المملكة المبكر في البنية التحتية وشرايين المسارات البديلة كان تحصيناً استراتيجياً وضع الرياض في موقع الرائد والموجه لخريطة اللوجستيات العالمية.

Share Article

Share the article across social networks or copy the direct link.