Sunday 04 Oct 2026 - 23 Rabiʻ II 1448
Write it here… let the world read it.
Available advertising space
AR 2026-10-04 4 views

مطرقة المضائق وسندان التحدي: كيف صنعت المملكة من الجغرافيا درعاً استراتيجياً؟

Ready to play audio.
مطرقة المضائق وسندان التحدي: كيف صنعت المملكة من الجغرافيا درعاً استراتيجياً؟

Reading tools

Reading time: 1 min

تقتضي الأمانة التاريخية والدقة السياسية أن ننظر إلى المشهد الإقليمي الراهن بحجمه الحقيقي ودون تهوين، فالأحداث التي تحيط بالمنطقة تعكس عُمقاً استراتيجياً يتجاوز الحوادث العارضة إلى ما يمكن تسميته بـ "تنسيق الضغوط المتزامنة" والتهديدات المتشابكة الموجهة ضد شبه الجزيرة العربية من كافة الجهات؛ وحين تقرأ الخريطة بلغة الجغرافيا، يتضح جلياً أن المملكة العربية السعودية تجد نفسها في عين عاصفة إقليمية، يقابلها صمود ورؤية قيادية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بحكمته التاريخية، وبديناميكية استراتيجية شابة يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لا تعرف المساومة على أمن الوطن ومكتسباته.

تتبدى أولى المحاور الحاكمة لهذا المشهد في أزمة مضيق هرمز التاريخية؛ فهذا الشريان يقع تحت خط التهديد والشلل الدائمين بفعل المناوشات وحرب الاحتجاز الإيرانية؛ وبحسب التقديرات الرسمية لأسواق الطاقة العالمية، يمر عبر هذا الممر نحو 20.9 مليون برميل يومياً (قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للنفط)، مما يجعله خطراً طائلاً على استقرار الاقتصاد الدولي وورقة ضغط متجددة في الخليج العربي.

وامتداداً لهذا التهديد الشرقي، تتفاقم الأزمة جنوباً في الممر المائي الحرِج عند باب المندب مع اشتعال التصعيد الميداني عقب سيطرة المليشيات الحوثية على المخا والمدن الساحلية المطلة على المضيق. وبحسب البيانات الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، يمر عبر هذا الممر نحو 12% من التجارة العالمية وما بين 7.4 و9.3 مليون برميل يومياً من النفط، وتؤكد هذه البيانات أن تحويل مسار الناقلات حول "رأس الرجاء الصالح" يضيف 10 إلى 14 يوماً لرحلات الشحن بين آسيا وأوروبا، مما يعرض سلاسل الإمداد لخطر التضخم.

وفي قلب هذه المعادلة المزدوجة، يأتي الاستهداف المباشر لـ خط أنابيب (شرق - غرب)؛ هذا الشريان الممتد بطول 1,200 كيلومتر بقدرة تصميمية تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً لنقل النفط من بقيق إلى ميناء ينبع ليُشكل البديل الآمن لتجاوز اختناق هرمز، غير أن تعرض الخط لاستهدافات مباشرة أدت لإيقاف العمليات احترازياً تعكس محاولة مبيّتة لتجريد المملكة  من أهم مصادردخلها القومي. .

إن هذه الضربات الموزعة تتشابك فيها التهديدات المباشرة للبنية التحتية مع تحركات الميليشيات عبر استراتيجية الحرب غير المباشرة، بهدف فرض معادلات جديدة واستدراج الرياض نحو مواجهة عسكرية استنزافية لعرقلة بيئتها الاستثمارية وتحولها الاقتصادي، وأمام هذا الطوق، أدارت القيادة المشهد بمنطق "الردع المؤسسي والهادئ".

وسياسياً وأمنياً، لم تكتفِ الرياض باحتواء الصدمات التشغيلية، بل بادرت برؤية سمو ولي العهد إلى تفكيك طوق التهديدات عبر مأسسة المواجهة؛ إذ تكلل الجهد الدبلوماسي بتأسيس "مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن" (8 دول شاطئية) لسحب فتيل الابتزاز في الممرات المائية، واكتمل هذا الجدار الدفاعي بتأطير مظلة أمنية عبر "حلف مكة"—التحالف الدفاعي الثلاثي المبرم بين السعودية وتركيا وباكستان—لإيجاد شبكة ردع عسكرية ذات ثقل إقليمي يجرّد الميليشيات والوكلاء من أي مساحة للمناورة، ليصب كل ذلك في تفكيك استراتيجية "الاستدراج"، وحماية الأولوية المطلقة لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المتمثلة في صون مسيرة "رؤية 2030" واستمرار التحول الاقتصادي بعيداً عن أي ارتدادات أمنية.

واخيرًا وليس آخرًا فإن التاريخ لا يُسجِّل انفعالات اللحظة أو الردود الفورية الشائعة في مواسم التوتر، بل يُحاك بما يتبقى على الأرض من نتائج استراتيجية صامدة؛ وبحسب قراءة الواقع الميداني والاقتصادي، يتضح جلياً أن رهان الخصوم على حصر السعودية في مربع الدفاع والتراجع قد انكسر أمام عقل استراتيجي لا يُستدرَج، يدرك أن النصر الحقيقي لا يكتمل إلا بحماية كيان الدولة الوطنية، وتأمين شرايين الطاقة العالمية، وانتزاع المستقبل برؤية صلبة تعلو فوق العواصف ولا تهتز..

Share Article

Share the article across social networks or copy the direct link.