Wednesday 14 Oct 2026 - 04 Jumada I 1448
Write it here… let the world read it.
Available advertising space
AR 2026-10-14 89 views

السعودية وكلاب الجيران

Ready to play audio.
السعودية وكلاب الجيران

Reading tools

Reading time: 1 min

لليمن وأهله في قلوبنا محبة لا تحتاج إلى شهادة، ومكانة لا تغيرها الأحداث، وروابط لا تقطعها الخلافات ولا تمحوها الحروب.

فأبناء اليمن إخوتنا في الدين والعروبة، وجيراننا في الأرض، وشركاؤنا في التاريخ والمصير. عرفنا فيهم الشهامة والكرم وأصالة المعدن، وعرفوا فينا المحبة والوفاء وحسن الجوار.

تقاسمنا معهم الأفراح والأتراح، وجمعتنا بهم الأسواق والمجالس والبيوت، وعاش بيننا أبناؤهم، حتى أصبحت العلاقات بين الشعبين أعمق من أن تختصرها حدود الجغرافيا، وأرسخ من أن تنال منها جماعة مسلحة أو مشروع سياسي عابر.

لكن الحوثي، الذي شبّهته بالكلب المسعور على أهل الدار، لم يكتفِ بإيذائهم، بل تجاوز أذاه حدودهم إلى جيرانهم.

أراد أن يتسيّد على أهل وطنه، الذين لم يمنحوه حق السيادة، وأن يكون حارسًا على شعب لم يأذن له بمصادرة إرادته، ثم لم يكتفِ بما ألحقه ببلاده من خراب، حتى امتدت صواريخه وطائراته المسيّرة إلى أرض جارهم، المملكة العربية السعودية.

فمن أشد ما يُبتلى به الجار أن يتمرد في داره من يؤذي أهلها، ثم يتجاوز أذاه إلى جيرانه؛ فلا يسلم منه أصحاب الدار، ولا يأمن شره من أحسن إليهم.

ومن هنا جاء عنوان هذا المقال: «السعودية وكلاب الجيران»؛ وهو تشبيه مجازي أقصد به الحوثي وأذرعه المسلحة، لا أبناء اليمن الذين نكنّ لهم المحبة والتقدير.

ولم أُعوِّد قلمي الخوض في السياسة؛ فللسياسة رجالها المتمكنون وقادتها المحنكون، ولكن حين يمتد العدوان إلى وطني، مهبط الوحي وقبلة المسلمين، فإن الصمت لا يعود حكمة، وتصبح الكلمة واجبًا يمليه الانتماء والوفاء.

وفي خضم هذه الصراعات، فقدنا شهداء من أبناء عمومتنا وأبناء وطننا في مواجهة الحوثيين، وعرفنا مرارة المصاب، واحتسبناهم عند الله، وبقيت تضحياتهم حاضرة في الذاكرة، تذكرنا بأن أمن الأوطان لا تصونه الكلمات وحدها.

لم تبدأ علاقة السعودية باليمن مع الحروب الأخيرة، ولم تكن مساعداتها استجابة عابرة لأزمة طارئة؛ بل امتدت عبر عقود من الجوار والتواصل والتعاون، شهدت خلالها العلاقات مراحل مختلفة، وظلت السعودية حاضرة في كثير من محطات الدعم والتنمية والإغاثة.

فقد أسهمت في إنشاء ودعم المستشفيات والمراكز الصحية، والمدارس والمرافق التعليمية، والطرق ومشروعات المياه والكهرباء، إلى جانب أوجه الدعم الاجتماعي والخيري، ومساندة الاقتصاد اليمني بالمنح والودائع والمساعدات المالية، وتوفير المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء، والتخفيف من الأعباء الاقتصادية والمعيشية.

ومع اشتداد الحروب، تواصل العطاء من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما قدماه من مشروعات غذائية وصحية وتعليمية وتنموية، ومساعدات للنازحين والمتضررين، ودعم لسبل العيش وإعادة تأهيل المرافق العامة.

ولم تكن السعودية تمد يدها بالعطاء داخل اليمن فحسب، بل فتحت أبوابها لأبنائه، فعاشوا بيننا إخوة وجيرانًا وزملاء عمل وشركاء في الحياة، تجمعنا بهم علاقات المودة والمصاهرة والتجارة والتاريخ المشترك.

وهكذا كانت بلادنا، ولا تزال، تنظر إلى الإنسان اليمني بعين الأخوة لا بعين الخصومة، وتفرق بين شعب يستحق الأمن والكرامة، وجماعة مسلحة جعلت من الحرب وسيلة لفرض مشروعها.

والمفارقة المؤلمة أن الحوثي، الذي جعل من أرض اليمن منطلقًا للاعتداء على المملكة، يعمل في بيئة استفادت من المشروعات والخدمات السعودية، التي امتدت إلى قطاعات الحياة الأساسية، دون أن يُشترط على المحتاج موقف سياسي أو انتماء معين.

وامتدت هذه الجهود إلى مشروع «مسام» لنزع الألغام، الذي يعمل على إزالة الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة من الأرض اليمنية، في مهمة محفوفة بالمخاطر، لا تستهدف حماية الحاضر فحسب، بل إنقاذ الأجيال القادمة من موت قد يظل كامنًا تحت التراب عشرات السنين.

فشتان بين من يزرع اللغم ليقتل إنسانًا، ومن يخاطر بحياته لينزع اللغم ويحفظ حياة الإنسان.

وأي مفارقة أشد إيلامًا من أن يستفيد المعتدي من أسباب الحياة التي ساهم جاره في توفيرها، ثم يوجه إلى ذلك الجار أدوات الموت؟

إن السعودية لم تمد يدها إلى اليمن لتشتري الولاء، ولم تقدم مساعداتها لتمنح أحدًا حق العدوان عليها، وإنما فعلت ذلك انطلاقًا من واجب الجوار والأخوة والمسؤولية الإنسانية.

وهنا ينبغي التفريق بين شعب يستحق العون والوفاء، وجماعة استغلت محنته، وجعلت من أرضه منطلقًا للتهديد.

لايخفى على الجميع بأن اليمن بحاجة إلى من يعيد بناء مؤسساته، ويعالج جراحه، ويحفظ وحدته، ويمنح أطفاله مستقبلًا أفضل من مستقبل الخنادق والسلاح، لكنه ابتُلي بجماعة الحوثي التي جعلت من السلاح وسيلة لفرض إرادتها، ومن معاناة الناس وقودًا لاستمرار صراعها، ومن ارتباطها بالنفوذ الإيراني عاملًا في تعقيد أزمته وإطالة محنته.

والمفارقة أن المملكة، التي امتدت منها قوافل الغذاء والدواء إلى اليمن، وجدت نفسها في مواجهة صواريخ وطائرات مسيّرة أطلقها الحوثيون باتجاه مدنها ومنشآتها وأراضيها.

كنا نمد أيدينا لإنقاذ الحياة، وكان الحوثي يمد سلاحه لتهديدها.

كنا نشارك في إزالة الألغام من طرق اليمن، بينما كانت جماعته تواصل استخدام الألغام والمتفجرات في الصراع.

وكنا نساند مشروعات البناء والتنمية، بينما كانت الحرب تستنزف مقدرات البلاد، وتدفع أبناءها إلى النزوح والفقر والحرمان.

وهكذا أصبح الجار الذي يستحق العون ضحيةً لمعتدٍ لم يكتفِ بإيذاء أهل الدار، بل تجاوزهم إلى من أحسن إليهم.

لم تكن المملكة أمام خلاف سياسي عابر، بل أمام تهديدات فعلية لأمنها وحدودها ومواطنيها ومقيميها؛ لذلك فمن حق أي دولة أن تدافع عن سيادتها وتحمي أراضيها، وأن تواجه الاعتداء بما يجيزه القانون الدولي.

إن الأمن الذي نعيشه لم يكن يومًا هبة مجانية، وإنما نعمة حفظها الله، ثم سهر على حمايتها قيادة حكيمة ورجال بذلوا من أعمارهم وأرواحهم ما لا تعوضه الكلمات.

ولهذا واصلت المملكة دعم المسارات السياسية والإنسانية الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية، إدراكًا منها أن الحروب، مهما طالت، لا تستطيع وحدها أن تصنع مستقبل الشعوب.

أحبتي،

من يقرأ تاريخ المساعدات السعودية لليمن، ثم يتأمل الاعتداءات الحوثية على المملكة، يدرك حجم التناقض بين نهجين:

نهج يرى في الجوار مسؤولية تستوجب العون، ونهج يرى في الجوار فرصة للتهديد والابتزاز.

نهج ينفق المال لإعادة الحياة، ونهج يستنزف الموارد في أدوات الحرب.

نهج يسعى إلى إزالة الألغام من الأرض، ونهج يجعل الأرض نفسها فخًا للموت.

ولكن من حقنا أن نتساءل:

بأي منطق تُقابل يد العون بالصواريخ؟ وبأي حق تُستخدم أرض الجار الشقيق للاعتداء على من وقف معه في أزماته؟

فالتاريخ لا يقيس الرجال بما يرفعونه من شعارات، وإنما بما يتركونه من أثر في حياة الناس.

لقد أردت من هذا المقال أن أضع الأمور في مواضعها، وأن أفرق بين اليمن الذي نحبه، والحوثي الذي نرفض عدوانه، وبين الجار الذي يستحق الوفاء، ومن اتخذ من أرضه وسيلة لتهديد الجيران.

ستبقى المملكة العربية السعودية، بإذن الله، عزيزة بقيادتها، قوية برجالها، شامخة بمبادئها، سخية بعطائها، لا تتنازل عن حقها في حماية أمنها، ولا تتخلى عن قيمها الإنسانية حين تشتد الخصومة.

وسيبقى اليمن الشقيق أهلًا للمحبة والتقدير، مهما طال ليله، ومهما حاول الحوثي أن يجعل من أرضه ساحة لأطماع الآخرين.

أما «كلاب الجيران» الذين عنيتهم في عنواني، فإن التاريخ لن يذكرهم بما أطلقوه من صواريخ على جيران اليمن فحسب، بل أيضًا بما خلّفوه من جراح، وما زرعوه من ألغام، وما أضاعوه من أعمار وأحلام لأبناء اليمن.

فالأوطان لا تبنيها الصواريخ، ولا تحفظها الشعارات، ولا تنهض بها الجماعات التي تجعل الحرب وسيلتها للبقاء.

وسيظل الفرق واضحًا بين يد تزرع الحياة في أرض الجار، ويد تزرع الموت في أرضه ثم تمتد به إلى جيرانه.

رحم الله شهداءنا، وحفظ المملكة العربية السعودية وأدام أمنها وعزها، وأعاد إلى اليمن أمنه وسلامه واستقراره وكفى الله وطننا من كلاب الجيران التي انطلقت والتي لازالت في أقفاصها.

Share Article

Share the article across social networks or copy the direct link.