حين يعجز بعض الناس عن احتكار التاريخ ؛ يحتكرون رموزه.
إنها واحدة من المفارقات الاجتماعية التي تتكرر في كل زمان؛ إذ يتحول الرمز، الذي وُلد ليجمع الناس، إلى وسيلةٍ للتمييز بينهم، ويغدو ما كان عنوانًا للهوية المشتركة امتيازًا تمنحه فئةٌ لنفسها، ثم تنظر إلى الآخرين وكأنهم غرباء عنه.
ولعل البشت أحد أكثر الرموز العربية التي أسيء فهمها.
فهو ليس مجرد رداءٍ يلقى على الكتفين، بل نصٌّ ثقافيٌ طويل، كُتب بخيوط الصوف، وحفظته الذاكرة العربية قرونًا. شهد مجالس الصلح، وبيوت الأفراح، وأيام الأعياد، ومواكب الاستقبال، ووقف على أكتاف الملوك والأمراء، كما وقف على أكتاف العلماء، والقضاة، والشيوخ ، وكبار الأسر، والتجار، ووجهاء المدن والقرى.
ولم يقل لأحدٍ يومًا: أنت أولى بي من غيرك.
لكن بعض العقول قرأت التاريخ بطريقة معكوسة؛ فبدل أن تفهم أن أهل المكانة زادوا الرمز حضورًا، توهمت أن حضورهم جعله ملكًا لهم.
وهكذا .. تحولت العلاقة بين الرمز والمكانة من علاقة اقتران إلى علاقة احتكار، ومن احترامٍ للتاريخ إلى وصايةٍ عليه.
ومن هنا .. خرج ذلك السؤال الذي يتردد في بعض المجالس كلما ارتدى شابٌ بشتًا في مناسبة: "ومن يكون حتى يلبسه؟"
والحقيقة أن هذا السؤال لا يكشف شيئًا عن البشت ؛ وإنما يكشف كثيرًا عن نظرتنا إلى الإنسان.
إنه سؤال يفترض، دون أن يشعر صاحبه ؛ أن الوقار يُمنح بالألقاب، وأن الهوية تحتاج إلى إذن، وأن التراث يمكن أن يُقسَّم بين الناس كما تُقسَّم الامتيازات.
وهذا هو الخطأ.
فالوقار لم يكن يومًا وظيفة، ولا منصبًا، ولا نسبًا.
إنه خُلُقٌ يسبق الثوب، وسيرةٌ تسبق اللقب، وهيبةٌ يصنعها الإنسان قبل أن يصنعها مظهره.
ولهذا .. قد ترى رجلًا لا يرتدي بشتًا قط، فتشعر أن للمجلس هيبةً بحضوره، وقد ترى آخر يغطي كتفيه بأفخر البشوت، فلا ترى إلا الثوب ؛ لأن الهيبة لا تسكن القماش، وإنما تسكن النفس.
وليست المشكلة في البشت أصلًا، بل في حاجة بعض البشر إلى صناعة مسافات بينهم وبين الآخرين.
فمن عجز أن يتميز بعلمه، أو خُلُقه، أو عطائه ؛ قد يبحث عن التميز برمز، ثم يحاول أن يمنع الآخرين منه، حتى يبقى الرمز آخر ما يملك من شعورٍ بالتفوق. وهنا ..لا يعود البشت قضية، بل تصبح القضية نفسًا تُخطئ فهم الكرامة، فتبحث عنها في المظهر بدل أن تبنيها في الجوهر.
ولو تأملنا الحضارات الكبرى، لوجدنا أن ما بقي منها لم يكن قصورها ولا جيوشها، بل رموزها الثقافية.
بقي الكيمونو لليابانيين، والكيلت للإسكتلنديين، والساري للهنديات ؛ لأنها لم تُحجز خلف أسوار النخبة، بل بقيت حاضرةً في حياة الناس، تحمل ذاكرتهم، وتروي قصتهم، وتجدد شعورهم بالانتماء.
وكذلك البشت.
فقيمته ليست في خيوطه، ولا في ثمنه، وإنما في أنه بقي شاهدًا على ذاكرة المجتمع، يتنقل من جيلٍ إلى جيل، ومن أبٍ إلى ابنه، ومن مناسبةٍ إلى أخرى، حتى أصبح جزءًا من الشخصية الثقافية لهذه البلاد.
ولهذا .. فإن احترام البشت لا يكون بمنع الناس من ارتدائه، وإنما بصيانة معناه. فهو ليس لباسًا للاستعلاء، بل للمقام. وليس وسيلةً للمفاخرة، بل تعبيرًا عن احترام المناسبة.
ومن لبسه تواضعًا ؛ زاده جمالًا، ومن لبسه كبرًا ؛ جرّده من رسالته.
إن الأمم الواثقة لا تخاف من انتشار رموزها؛ لأنها تعلم أن الرمز كلما عاش بين الناس، ازداد رسوخًا. أما الرمز الذي يُحاصر باسم الوجاهة، فإنه يبدأ في فقدان حياته، حتى وإن بقي معروضًا في خزائن التراث.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يحق له أن يلبس البشت؟
السؤال الحقيقي هو: من الذي منح نفسه حق الوصاية على رمزٍ لم يصنعه، وتراثٍ لم يرثه وحده؟
لن يجيب التاريخ عن هذا السؤال؛ لأنه لم يعرفه يومًا.
أما البشت ؛ فسيبقى كما كان… يكسو الأكتاف، ولا يميّز بينها ، ويجمّل المناسبات، ولا يصنع الطبقات ، ويحفظ ذاكرة وطن، لا امتياز فئة.
فالهوية لا تُورَّث إلى قلة، بل تُعاش بين الجميع.
والرموز التي تصنع الأوطان لا تكتمل عظمتها إلا حين يشعر كل ابنٍ من أبنائها أنها جزءٌ من حكايته.