mercredi 04 nov. 2026 - 25 joumada al oula 1448
Écrivez ici… pour que le monde vous lise.
Espace publicitaire disponible
AR 2026-11-04 159 vues

"دليل القمّاش".. حكاية مهنة نسجتها مكة

Prêt pour la lecture audio.
"دليل القمّاش".. حكاية مهنة نسجتها مكة

Outils de lecture

Temps de lecture : 1 min

حين تسير في شوارع مكة القديمة ، لا تسمع فقط أذان الحرم ، بل تسمع أيضاً صوت القماش وهو يُطوى، وترى يداً مكية تورّث المهنة "كابراً عن كابر".

من هنا جاءت فكرة كتابي الجديد الصادر مؤخرا والذي يحمل عنوان : "دليل القمّاش" ، ففي زحمة الكتب التي تتحدث عن التاريخ الكبير، يأتي هذا الكتاب ليهمس لنا عن تاريخ عميق لأحدى المهن الأصيلة بمكة المكرمة .. مهنة ارتبطت بإنسان مكة قبل أن ترتبط بدكاكينها وأسواقها ، وليفتح لنا نافذة على واحدة من أعرق المهن التي عرفتها مكة المكرمة وأكثرها رسوخاً في وجدان أهلها ، مهنة بيع الأقمشة ، فالكتاب لا يقدم لنا مجرد قائمة بأسماء الأقمشة وأنواعها .. هو رحلة تبدأ من أسواق الجاهلية، حيث كان القماش سلعة تُبارك بها القوافل، وتمر بمحطات العصور الإسلامية حتى تصل إلى واجهات محلات اليوم.

وقد قسمتُ الكتاب إلى ثلاثة أبواب رئيسية : في الباب الأول استعدتُ ذاكرة التجارة المكية، وتتبعت أشهر أسواقها وكيف كان القماش حاضراً فيها دائماً ، فقد بدأت التجارة في مكة المكرمة منذ أن استوطن نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام الوادي ، وكيف استجاب الله دعاؤه "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم" فكانت سبباً في قدوم القوافل والوفود بإرادة الله سبحانه وتعالى ، وأضحت مكة قلباً نابضاً للتجارة في جزيرة العرب ، لوجود الكعبة المشرفة فيها والتي تعد مقصدا للناس ومهوى لأفئدتهم ، واشتهرت قريش برحلتي الشتاء والصيف ، وجعلت من مكة محطة تجارية ودينية يلتقي فيها العرب ببضائعهم ، فصارت سوقاً مفتوحة تلتقي فيها بضائع اليمن والشام والحبشة.

ومع بزوغ فجر الإسلام ، بقيت التجارة جزءاً أصيلاً من هوية مكة، واستمر هذا الدور عبر العصور لتتحول اليوم من سوق القوافل القديمة إلى مركز تجاري عالمي يربط بين روحانية الحرم وحركة الأسواق الحديثة التي تستقبل وتخدم ملايين الحجاج والمعتمرين في كل عام ، فالعلاقة بين الحج والتجارة قديمة جداً ومذكورة في القرآن الكريم : {ليشهدوا منافع لهم} ولتشهد مكة المكرمة في كل عام تجمعا بشريا فريدا ليس له نظير في أي بقعة في العالم ، يفد إليها المسلمون من كل قارات الأرض ، وقد لعب هذا التجمع دوراً محورياً يتجاوز مجرد البيع والشراء؛ لتصبح مكة ملتقى حضارياً وثقافيا وتجارياً عالمياً، ومركزاً لتبادل الثقافات والأفكار بين الحجاج والتجار القادمين من مختلف أصقاع الأرض .

وفي الباب الثاني من الكتاب ، توقفت طويلاً عند مهنة "القمّاشين" نفسها ، فكتبت عن نشأتها وتطورها منذ العهد الجاهلي وحتى الآن ، وعن الأسر المكية التي اشتهرت بها، لأنني أؤمن أن هذه المهنة ليست بيعاً وشراءً فقط، بل هي إرث اجتماعي واقتصادي ، كما تحدثت عن بعض التطور الذي شهدته هذه المهنة في العهد السعودي الزاهر ، فمع دخول الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - وتوسع مكة العمراني وزيادة عدد السكان والحجاج ، واستحداث العديد من الأنظمة التجارية ، كان حري أن يلحق ذلك التوسع بنشاط الأقمشة ، حيث انتقل إلى العديد من الأسواق وبدأ الشكل الحديث لهذه المهنة يتبلور، فشهدت المهنة في العصر الحديث تحولات جذرية ومراحل رئيسية ، ونشطت الحركة التجارية في مكة ، وزادت حركة الاستيراد ودخلت الأقمشة الصناعية بكثافة ، وتحولت مهنة القماش في مكة من تجارة دكاكين صغيرة تعتمد على الاستيراد من الشام ومصر ، إلى صناعة تجزئة منظمة تعتمد على الأسواق الشعبية والاستيراد من شتى دول العالم الأوروبية والشرق آسيوية .

أما الباب الثالث والأخير فخصصته لما بين أيدينا من أنواع الأقمشة وأصنافها واستخداماتها ، وحاولت أن أجمعه بأسلوب سهل ومختصر حتى يكون قريباً من يد البائع ومن عين الباحث ، خشية أن تضيع تفاصيل هذه الحرفة البسيطة العظيمة مع زحف الحداثة ، فأهمية هذه المهنة لا تكمن في الربح فقط ، هي تلبي حاجة إنسانية أولى وتغذي الإبداع والاقتصاد معاً ، وفي مكة تحديداً، تكتسب بعداً آخر، فمع كل موسم حج وعمرة، يتجدد الطلب، ويتجدد معنى المهنة ، حتى أصبحت ركناً من أركان الاقتصاد المحلي، وعنصراً من عناصر الهوية الدينية والثقافية للمدينة.

وأعتقد أن قيمة كتاب "دليل القمّاش" الحقيقية تكمن في ندرته ، فالمكتبة العربية فقيرة في الكتب التي توثق للمهن الشعبية بتفاصيلها ، وهذا الكتاب يأتي بأسلوب سهل ومختصر، لا يخاطب الباحث الأكاديمي ، بل يخاطب البائع في دكانه، والباحث عن قطعة قماش، وكل من يريد أن يفهم كيف نسجت هذه المهنة جزء من تاريخ مكة العريق.

Partager l’article

Partagez l’article sur les réseaux sociaux ou copiez le lien direct.