الخميس 05 نوفمبر 2026 - 26 جمادى الأولى 1448
أنت تكتبها ..... ليقرأها العالم
إعلان
AR 2026-11-05 14 مشاهدة

ليلة سقوط ضيف البودكاست.. نحو حوكمة الإعلام وتأصيل المعرفة

جاهز لتشغيل القراءة الصوتية.
ليلة سقوط ضيف البودكاست.. نحو حوكمة الإعلام وتأصيل المعرفة

أدوات القراءة

مدة القراءة: 1 د

قبل أن أختار «ليلة سقوط ضيف البودكاست» عنوانًا لهذا المقال، استحضرت فيلمًا مصريًا شاهدته في طفولتي، أُنتج عام 1984، بعنوان «ليلة القبض على فاطمة». فقد بقيت قصته عالقة في ذاكرتي؛ إذ تساعد فاطمة الفدائيين في بورسعيد بدلًا من أخيها جلال، ثم تُنسب البطولة إليه، فتُفتح أمامه أبواب الوجاهة والنفوذ، ويُمهَّد له الطريق للوصول إلى منصبه في الأمانة العامة للاتحاد القومي.

كانت فاطمة الجندي المجهول الذي أخرج شقيقها الخامل إلى الأضواء، لكنها ظلت في الوقت نفسه نقطة ضعفه؛ لأنها تعرف الحقيقة، وتدرك كيف صُنعت بطولته. فكان جزاء تضحياتها أن سعى إلى إدخالها مستشفى الأمراض العقلية، محاولًا إسكات الصوت الذي يستطيع كشف حقيقة صورته أمام الناس.

استحضرت هذه المفارقة وأنا أتابع موقف بعض الإعلاميين من المغرّد السعودي؛ فقد كان، وما زال، داعمًا لكثير من الإعلاميين القدامى، يحتفي بأعمالهم، وينشر مقالاتهم، ويوسّع دائرة حضورهم، ويناصر مواقفهم دفاعًا عن الوطن. ثم إذا ببعض من حظوا بهذا الدعم يصفونه بالعاطفية، ويرون أن حماسته تفتقر إلى العقلانية!

فكيف كان صوته محل ترحيب حين يدعم حضورهم، ثم أصبحت عاطفته موضع انتقاص حين عبّر عن موقفه؟ من حقهم مناقشة رأيه وتصويب معلوماته، لكن اختزال موقفه في انفعال عاطفي يتجاهل وعيه وصدق انتمائه، ويجحد دورًا تطوعيًا أسهم في إيصال أصواتهم إلى الناس.

لقد شكّل المغرّد السعودي خط الدفاع الإعلامي الأول، وأظهر وعيًا بخطورة المرحلة؛ فكان، عبر معرّفاته الصريحة والمستعارة، الظاهرة والخفية، المعروفة وغير المعروفة، صادقًا في انتمائه، ثابتًا في دفاعه عن وطنه. وأثبت أنه الجندي المجهول المتطوع؛ فلم يكن موظفًا لهذه المهمة، ولا مكلّفًا بها، ولا كان أحد قد رتّب معه للقيام بها، وإنما دفعه إليها صدق الولاء والشعور بالمسؤولية. فهو شريك في صناعة الحضور والتأثير، له عقل يزن، وموقف يُحترم، وصوت يستحق أن يُسمع.

فوضى البودكاست.. حين يتقدم غير المؤهل إلى المشهد

منذ فترة، وأنا أتابع كثيرًا من برامج البودكاست واللقاءات، وقد ازدادت متابعتي لها منذ انطلاق عملية «فجر اليمن». وتباينت انطباعاتي بين الإعجاب والاستحسان، والإقرار بالاستفادة من لقاءات ثرية في موضوعات التاريخ والحاضر والتحليل، وبين الندم على وقت أضعته في لقاءات تفتقر إلى أبسط مقومات المهنية الإعلامية؛ فلا المقدّم يعرف ما يريد، ولا يختار ضيوفه بعناية، ولا يتضح للمشاهد ما الذي يسعى إليه، وكأن الغاية مجرد ملء المساحة، أو إنتاج محتوى كيفما اتفق، أو إثارة الجدل.

فتارة يقدّم ضيفه بوصفه «رمزًا»، وتارة يضع أمام اسمه لقب «الشيخ»، وتارة لا هذا ولا ذاك!

وقد كشفت لقاءات ومناقشات ومقالات وبرامج بودكاست كثيرة حقيقة الرصيد المعرفي والثقافي لدى بعض من يُسوَّق لهم بوصفهم مثقفين أو خبراء سياسيين أو مستشارين؛ فمنهم من لا يحمل مؤهلًا جامعيًا، ولا يستند في حديثه إلى علم بما يتناوله، وإنما يقول مع القائلين، ويهرف بما يهرف به غيره، ويتكلم فيما لا يعلم. ومنهم من يحمل درجة الدكتوراه، لكنه يتحدث بعيدًا عن منهج الأستاذ الجامعي الذي يحلل الأحداث، ويقرأ سياقاتها، ويطّلع على خلفياتها، مكتفيًا بسوالف ينطبق عليها التعبير الشعبي: «سوالف سُمّار على جال نارهم»؛ أحاديث بعيدة عن الفهم العلمي، ودراسة الواقع، والاستفادة من دروس الماضي، واستشراف المستقبل.

لقد عانينا من فوضى بعض القنوات الفضائية، ثم المواقع الإلكترونية القبلية والمناطقية، ثم بعض المغرّدين وحسابات سناب شات، واليوم تتكرر الفوضى في بعض اللقاءات وبرامج البودكاست؛ فمن متصدّر لا يفقه طبيعة ما يقدّمه، إلى آخر لا يعنيه إلا إثارة الجدل، إلى ثالث يتحدث في موضوع بينما ذهنه منشغل بموضوع آخر، إلى من لا يهتم إلا بتنميق ما يُدفع له لتقديمه، أو خدمة من تربطه به علاقة شخصية، إلى من يظل يدندن حول أحاديث جدته وجداته وجداتهم، وكأنها مرجعيته الوحيدة، في طرح مخزٍ بلغ حد الابتذال المقزّز؛ فلا لغة، ولا منهج، ولا علم.

فمن هؤلاء من ظهر بطرح مهزوز، ومنهم من أتى بالطوام، ومنهم من انزلق إلى الإرجاف والتشكيك ومدح العدو والتهويل من شأنه، من حيث لا يدري، غافلًا عما تنطوي عليه كلماته من دلالات، وما تتركه من آثار. ولا أقول إن هذا ديدن الجميع، وإنما هي ملاحظات مرصودة، نشاهدها بأعيننا، ونفقهها بعقولنا.

بين الواقعية والإرجاف.. مسؤولية الكلمة والموقف

وفي مقابل ذلك، أثبت كثير من الصحفيين والإعلاميين السعوديين مصداقيتهم، وصدق نصحهم لقيادتهم ووطنهم، ووعيهم بما تستوجبه المرحلة من ثبات وحصافة. فلم يكونوا مخذّلين أو مرجفين، ولم يتخذوا من الدعوة إلى «واقعية النبرة» ستارًا لإضعاف العزائم؛ فالواقعية تقتضي فهم الخطر وحسن مواجهته، والتوازن الذي ننشده يجمع بين صدق المعلومة، وصلابة الموقف، وإدراك المسؤولية.

أما الإرجاف في مثل هذه الظروف، فأثره ينتشر كالوباء، ويستوجب نقطة نظام ووقفة حازمة مع أصحابه في إطار الأنظمة، حتى مع افتراض حسن النيات؛ فحسن النية لا يلغي مسؤولية الكلمة، ولا يمحو أثرها.

وهناك من لمّعه الإعلام طويلًا، وآخرون صعدوا في مدة أقصر؛ فوجدوا من دعمهم فأبدعوا، ومن تبنّاهم فخرجت أعمالهم في أروع صورة، وذُلّلت لهم المصاعب، وفُتحت أمامهم الأبواب، حتى أصبح لدى بعضهم أسطول من المنصات الإعلامية. لكن كثرة المنابر واتساع النفوذ لا يعفيان أحدًا من اختبار المعرفة والموقف.

ومن هؤلاء من نشأنا ونحن نراه يُقدَّم واجهةً إعلامية، ثم جاء حديثه في ذلك البودكاست الكبير، الذي يحمل اسم أحد فلاسفة التاريخ الإنساني، فبدا لي أنه لم يُحسن معرفة متى يقول الكلام الصحيح، ومتى يتوقف. وفي تقديري، كانت تلك لحظة سقوط للصورة التي صنعتها له سنوات الظهور؛ إذ كشف الحديث الطويل ما لم تكشفه الإطلالات المحسوبة.

وفي الموروث الشعبي، يُقال لمن يصدر عنه تصريح غير موفق: «كبّ العشاء»، أو «جاب العيد». ولذلك تتمنى أحيانًا لو سكت بعض الإعلاميين؛ لأنهم كلما صرّحوا «كبّوا العشاء وجابوا العيد»! فالكلمة التي يُفترض أن توضّح الموقف قد تزيده ارتباكًا، والتصريح الذي يُنتظر منه النفع قد يفتح بابًا للضرر.

وإزاء ما أتابعه من أقوال ومواقف، أقول للإعلاميين والمغرّدين جميعًا: اقتدوا بقيادة المملكة العربية السعودية؛ فقد علّمتنا أن للأفعال مقامها، وللكلمات أوانها؛ تعمل أكثر مما تصرّح، فإذا تحدّثت، جاء قولها بقدر الموقف، واضحًا في معناه، بليغًا في رسالته، وافيًا بمقصده.

ففقه الواقع، ومعرفة متى أقول ومتى أصمت، ومتى أتكلم ومتى أحجم عن الكلام، ومتى أكتب ومتى أمتنع عن الكتابة؛ كل ذلك من دلائل الوعي العلمي، وإدراك مسؤولية الكلمة وأثرها.

التاريخ الوطني.. معرفة لا تنفصل عن الإعلام

ولا تنفصل هذه المسؤولية عن فهم التاريخ الوطني واستيعاب صلته بالحاضر. وأذكر أنني كنت، قبل فترة، ضمن مجموعة تهتم بالجوانب التراثية والأثرية والسياحية، فأرسلت إليها مقالًا يتناول جانبًا من جوانب التاريخ الوطني. فتواصل معي مشرف المجموعة قائلًا: «ودّي نلتزم بسياسة المجموعة، وعدم إرسال مقالات خارج نطاق الموضوعات المتعلقة بالسياحة والتراث والآثار».

فيا لله العجب! نحن في مرحلة لا بد أن نكون فيها صفًا واحدًا وسهمًا واحدًا، ثم نجد من يفصل التاريخ الوطني عن التراث والآثار والسياحة! وقد اكتشفت أن كثيرًا ممن يصف نفسه بالمثقف ليس مثقفًا، وأن كثيرًا ممن يعمل في التاريخ ويكتب فيه ليس مؤرخًا، وأن كثيرًا ممن يتصدر الإعلام ليس إعلاميًا، وأن كثيرًا ممن يتفوه بالنصيحة لم ينصح نفسه.

وأذكر هنا مقابلة، من دون ذكر أسماء، مكتفيًا بالإشارة إلى أصحابها: أحدهم لديه برنامج إعلامي قوي، يتناول فيه صفحات من التاريخ السعودي وبعض قضاياه، وقد التقى في أحد برامج البودكاست بإعلامي يمني. لكن تناوله كثيرًا من أبجديات التاريخ السعودي والوطني، وبعض الجوانب التاريخية المتعلقة بمناطق جازان والأحساء وعسير، لم يكن بالعمق والقوة اللذين يستوجبهما تصدّره؛ إذ كان يُفترض أن يكون حصيفًا، رصينًا، واسع الاطلاع.

ومن ذلك تكراره مصطلح «المخلاف السليماني» عند الحديث عن إمارة الإدريسي، من دون إيضاح كافٍ لمسميات المرحلة في ضوء وثائقها؛ فقد عُقدت «معاهدة مكة المكرمة» سنة 1345هـ/1926م، استجابةً لطلب الإدريسي الحماية من تهديدات الإمام يحيى. وأقرّت المعاهدة السيادة السعودية، مع إبقاء الإدارة الداخلية للإدريسي، وإخضاع العلاقات الخارجية والامتيازات الاقتصادية والحرب والصلح لموافقة الملك عبدالعزيز، والتزامه بحماية أراضيها.

وقد وصفت المعاهدة طرفيها بـ«إمام عسير» و«ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها»؛ وهي ألقاب ينبغي قراءتها في سياقها التاريخي، مع التمييز بين تلك المرحلة وما تلاها من إدارة سعودية مباشرة وتقسيمات إدارية لاحقة.

وكنت أتمنى لو استحضر هذه المعاهدة ومسمياتها في حديثه أثناء المقابلة؛ فهي شاهد يوثّق طبيعة العلاقة، ويساعد على ضبط المصطلح ووضعه في سياقه التاريخي.

الجامعات ومراكز البحث.. هل ندرس محيطنا بما يكفي؟

وهنا تمتد المسؤولية من المنصات الإعلامية إلى الجامعات ومراكز البحث. وأستذكر مرحلة دراستي للماجستير، إبان أحداث جبل دخان، التي بدأت في 3 نوفمبر 2009م، خلال شهر ذي القعدة 1430هـ؛ حين تسلّل مسلحون حوثيون إلى الأراضي السعودية قرب الخوبة بمنطقة جازان، واعتدوا على رجال حرس الحدود، فردّت القوات السعودية بعمليات عسكرية لطردهم وحماية حدود الوطن.

وأذكر أن تساؤلات وردت إلى الجامعة عمّا إذا كانت لديها أبحاث أو اهتمامات علمية تتعلق بالشأن اليمني، ولا سيما الجماعة الحوثية والجوانب الدينية والمذهبية في اليمن، وكانت الإجابة، بحسب ما نُقل إليّ: لا.

وأذكر أنني اطّلعت في تلك الفترة على عدد من المراجع والمصادر المتعلقة بالمذهب الزيدي وسِيَر الأئمة الزيديين، ووجدت في بعضها روايات عن وحشية بعض أولئك الأئمة في التعامل مع أبناء اليمن، وعن غزواتهم للمناطق الواقعة شمال إماراتهم، وهي عسير «السروات التاريخية» ونجران وجازان؛ وهي مناطق لم تكن يومًا تابعة للمذهب الزيدي، ولا لحكم أئمته، ولا من مناطق انتشاره. وقد حفظت لنا النصوص كثيرًا من أخبار مقاومة تمدّدهم وهزيمتهم قبل قيام الدولة السعودية الأولى.

أما بعد قيام الدولة السعودية الأولى، فقد امتد نفوذها السياسي وتأثير دعوتها الإصلاحية السلفية إلى مناطق من اليمن، في جنوبه وتهامته وأجزاء من شماله.

وقد تناولت جانبًا من هذه الوقائع في مقالي الموسوم «شموخ الوطن ومآلات المشروع الحوثي.. قراءة تاريخية»، المنشور في عدد من الصحف المحلية (مكة، والرأي، وعسير، وعنوان، وواصل)، ويمكن للقارئ الاطلاع عليه عبر روابط النشر الواردة في التغريدة التالية:

https://x.com/dsyd321200/status/2113913706161869228

ولا أعلم هل تجاوزت الجامعة تلك الملاحظة وعالجت هذا النقص البحثي أم لا؛ لكن السؤال يظل قائمًا عن مدى استعداد مؤسساتنا العلمية لدراسة محيطنا، وفهم تحوّلاته، وتقديم معرفة رصينة تسبق الأحداث وتعين على قراءتها.

وفي هذا السياق، أستحضر زيارتي لجامعة صنعاء خلال عامي 1426–1427هـ؛ فقد لمست لدى قسم التاريخ نهمًا في جمع المصادر والوثائق والمعلومات المتعلقة بمناطق عسير ونجران وجازان، وعلمت آنذاك بوجود بعثات إلى الأرشيف العثماني لجمع الوثائق المتعلقة بهذه المناطق الثلاث.

وهذه معلومة ينبغي أن يعيها أساتذة التاريخ في الجامعات السعودية عمومًا، وفي جامعات عسير ونجران وجازان خصوصًا؛ فدراسة تاريخ الوطن، وجمع وثائقه، وتحقيق مصادره، مسؤولية علمية ووطنية تستوجب عملًا مؤسسيًا متصلًا.

نحو حوكمة الإعلام وتأصيل المعرفة.. ستة محاور للإصلاح

ومن هذه الشواهد تنطلق الحاجة إلى معرفة موثّقة تسند الإعلام، وممارسة مهنية تحسن تقديمها؛ فمراجعة المنصات لا تعني منعها، وإنما الارتقاء بإعدادها ومحتواها وأثرها. وحتى تتحول هذه الملاحظات إلى عمل نافع، فإنني أقترح ستة محاور متكاملة:

أولًا: إنشاء مركز متخصص للدراسات التاريخية لدول الجوار

يُعنى بدراسة تاريخ الدول المجاورة للمملكة، وتحولاتها السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية، وصلاتها التاريخية بالمملكة. ويتولى جمع الوثائق من الأرشيفات المحلية والخارجية وتحقيقها، وإعداد معجم للمصطلحات التاريخية والجغرافية يوضّح دلالاتها في كل مرحلة؛ لتوفير مرجعية موثوقة للباحثين والإعلاميين وصنّاع القرار.

ثانيًا: بناء شراكة مستمرة بين البحث العلمي والإعلام

تربط الجامعات ومراكز الدراسات بالمؤسسات الإعلامية، وتوجّه الرسائل الجامعية إلى الموضوعات التي تفتقر إلى البحث. وتُترجم نتائج الدراسات إلى ملفات معرفية موجزة، مع توفير قاعدة بيانات للمتخصصين؛ ليستعين بهم مقدّمو اللقاءات في الإعداد، واختيار الضيوف، وبناء الأسئلة، وتفسير الأحداث.

ثالثًا: حوكمة المحتوى الإعلامي واللقاءات وبرامج البودكاست

وذلك بوضع معايير واضحة للتحقق من المعلومات، واختيار الضيوف بحسب اختصاصاتهم، وإدارة الحوار، والتمييز بين الرأي والحقيقة. وتشمل هذه المعايير الإفصاح عن المحتوى المدفوع والرعاية والمصالح المؤثرة، وتحديد مسؤوليات المنصة والمقدّم والضيف؛ بما يعزّز المهنية ويحفظ مساحة النقد المسؤول.

رابعًا: دعم المبادرات الوطنية والجهود التطوعية وتأهيل أصحابها

وذلك باحتضان كل فكرة أو مساهمة تخدم المواطن والوطن، مهما صغرت، وتقويمها بحسب فائدتها وأثرها، بعيدًا عن شهرة صاحبها أو علاقاته. ويشمل ذلك دعم المغرّدين وصنّاع المحتوى والباحثين المتطوعين بالمصادر والتدريب، وتقدير أعمالهم، وتحويل المبادرات الواعدة إلى مشروعات قابلة للاستمرار.

خامسًا: اعتماد آلية معلنة للتقويم والتصحيح وقياس الأثر

تراجع المحتوى بعد نشره، وترصد مواطن القوة لتعزيزها، ومواطن الضعف لمعالجتها، وتتيح للجمهور تقديم الملاحظات. وعند ثبوت الخطأ، يُنشر تصحيح واضح يصل إلى المتلقي، ويُقاس نجاح المحتوى بدقته وفائدته وأثره في الوعي، إلى جانب أرقام المشاهدة والانتشار.

سادسًا: تعزيز الوعي النقدي والإعلامي لدى الجمهور

وذلك بتمكين المتلقي من التمييز بين المعلومة والرأي، وبين الرواية الشخصية والدليل الموثّق، وبين شهرة المتحدث واختصاصه. ويكون ذلك من خلال محتوى توعوي وبرامج تعليمية تعلّمه فحص المصادر والسياق، والتريّث قبل النشر؛ ليصبح شريكًا واعيًا في تحسين المحتوى والحد من انتشار الأخطاء.

خاتمة.. الإعلام مسؤولية لا وجاهة

نحن نريد أن تكون أقلامنا ورماحنا وسهامنا جميعًا في مواجهة كل من يعتدي على هذا الوطن ومقدساته وقادته، ولكن بتوازن وعقل وعلم.

وقد كانت لي مقولة قبل نحو عشرين سنة، عندما ألّف بعضهم كتبًا تاريخية، ثم نسب نفسه إلى منطقة غير منطقته، وسلالة غير سلالته، فقلت: «وأصبح علمُ التأريخ علمَ من لا علمَ له».

واليوم أقول: لقد أصبح الإعلام مهنة من لا مهنة له، ورداءً من لا رداء له، ومفخرةً يزهو بها من أراد أن يرتدي بُردة الإعلام، من دون أن يتعب نفسه أو يشقى في طلب المعرفة التي تؤهله لذلك.

فالإعلام ليس مجرد ظهور أمام الكاميرات، ولا امتلاك منصة، ولا استضافة ضيف، ولا إطلاق لقب؛ بل هو معرفة ومسؤولية ومهنية، قبل أن يكون شهرة ووجاهة ونفوذًا.

وإذا كان سقوط بعض الضيوف يبدأ بكلمة، فإن استعادة الثقة بالإعلام تبدأ بمعرفةٍ راسخة، ومهنيةٍ منضبطة، ووعيٍ يدرك أن للكلمة أثرًا، وللموقف تبعات، وللوطن حقًا لا يجوز التفريط فيه.

مشاركة المقال

شارك المقال عبر الشبكات الاجتماعية أو انسخ الرابط مباشرة.