موضوع موسوعي
"السواني في القصيم".. موروث مائي يحكي كفاح الأجداد
"السواني في القصيم".. موروث مائي يحكي كفاح الأجداد
تُمثل (السواني) إحدى أبرز المهن التقليدية المرتبطة بالحياة الزراعية في منطقة القصيم، إذ كانت وسيلة رئيسة لاستخراج المياه من الآبار العميقة لري المزارع وسقيا المواشي، وتوفير احتياجات السكان من المياه، قبل ظهور المضخات ووس .....استكمال القراءة
المحتوى
أدوات القراءة
تُمثل (السواني) إحدى أبرز المهن التقليدية المرتبطة بالحياة الزراعية في منطقة القصيم، إذ كانت وسيلة رئيسة لاستخراج المياه من الآبار العميقة لري المزارع وسقيا المواشي، وتوفير احتياجات السكان من المياه، قبل ظهور المضخات ووسائل الري الحديثة.
وتعكس هذه المهنة جانبًا من طبيعة الحياة التي عاشها سكان القصيم قديمًا، حيث ارتبطت الزراعة بالمياه ارتباطًا وثيقًا، واعتمد المزارعون على مهاراتهم وعلى حيوانات مدربة، وفي مقدمتها الإبل، لسحب المياه من الآبار بواسطة منظومة من الأدوات التقليدية، حيث تتحرك الإبل في مسار مخصص يسمى (المنحاة)، فيما تتولى مجموعة من الأدوات نقل الماء ورفعه وتفريغه في موضع التجميع، فيما يذكر أن من الحيوانات التي استخدمت في هذه المهنة أيضًا الثيران والحمير، بحسب طبيعة المكان واحتياجات المزارع، وكانت العملية تتطلب خبرة ومهارة في التعامل مع الحيوان والأدوات، إلى جانب قدرة على تنظيم عملية السحب بصورة متكررة طوال فترة السقيا.
وارتبطت بالسواني مجموعة من الأدوات التي صنعها الحرفيون من خامات البيئة المحلية، ومن أبرزها (الغرب)، وهو وعاء جلدي يستخدم لرفع المياه من البئر، إضافة إلى (الرشا) وهو الحبل المستخدم في عملية السحب، كما تضم منظومة السواني (السريح)، و(المحالة)، و(القب)، و(المحور)، و(الدراجة)، و(الزرانيق)، إلى جانب (اللزا) الذي يتجمع فيه الماء بعد استخراجه من البئر، وهذه الأدوات كان يصنع من أخشاب محلية، ومنها شجر الأثل، الأمر الذي أوجد حرفًا يدوية متخصصة في تصنيع أدوات السقيا والمحالة والبكرة وغيرها من مستلزمات السواني.
وارتبطت السواني بصورة مباشرة بالنشاط الزراعي في القصيم، التي عُرفت منذ القدم بالزراعة والبساتين وإنتاج التمور والحبوب، وكانت الآبار مصدرًا مهمًا للمياه، فيما مثَّلت السواني الوسيلة التي تُمكِّن المزارع من رفع المياه منها وتوجيهها إلى المزارع والأحواض، ولم تكن السواني مجرد وسيلة تقنية لاستخراج المياه، بل ارتبطت كذلك بموروث شفهي وفني، تمثل في الأهازيج والحداء الذي كان يردده العاملون أثناء عملية السقيا، وكان (حداء السواني) وسيلة لتحفيز الإبل أثناء سحب المياه، كما أصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية المرتبطة بالمهنة، وتعد الحداء شكلًا من أشكال التعبير الشفهي التقليدي الذي استخدمه رعاة الإبل للتواصل معها، ومن أنواعه الحداء المرتبط بسحب المياه من الآبار.
وقال المزراع صالح الحمد : "كانت السواني من الأشياء الأساسية في حياة الناس قديمًا، خصوصًا أهل المزارع وكانت الآبار هي مصدر الماء، تعتمد على الإبل في سحب الماء، لسحب (الغرب) المليء بالماء من داخل البئر إلى الأعلى، ثم يُفرغ الماء في مكان مخصص، وبعدها يُوجَّه إلى المزرعة، وكانت تحتاج إلى شخص يعرف "بالسواني" وكيف يتعامل مع الإبل والأدوات، ويوضع الغرب في البئر مربوطًا بالحبل، ومع حركة الناقة أو الجمل إلى الأمام يرتفع الغرب بالماء، وبعد وصوله إلى أعلى البئر يُفرغ الماء، ثم تعود الإبل وتكرر العملية مرات كثيرة".
وبيَّن الحمد أن الإبل من أكثر الحيوانات استخدامًا في السواني، كما تحتاج إلى تدريب حتى تعتاد على العمل، وكان صاحب السانية يعرف كيف يتعامل معها ويعطيها الإشارة المناسبة، وكانت العملية تتكرر يوميًا بحسب حاجة المزرعة إلى الماء، حيث يردد الساني الأهازيج والحداء أثناء عمل الإبل، وكان الصوت معروفًا في المزارع ويساعد على مواصلة العمل وتحفيز الإبل، وأصبح هذا الحداء جزءًا من الذاكرة الشعبية التي يتذكرها كبار السن إلى اليوم.
وأضاف: "أتمنى أن يعرف الشباب كيف كانت حياة آبائهم وأجدادهم، وأن يحافظوا على هذه الموروثات ولا ينسوها، واليوم توجد وسائل حديثة كثيرة، لكن معرفة الماضي مهمة، لأنها تعرفنا على ما بذله الأجداد، وكيف استطاعوا أن يعيشوا ويزرعوا ويعمروا بلادهم، واليوم تمثل السواني عنصرًا مهمًا في سرد تاريخ القصيم، خصوصًا في المواقع التراثية التي تسعى إلى إبقاء الممارسات القديمة حاضرة أمام الأجيال الجديدة، ليس بوصفها وسيلة عملية فحسب، وإنما باعتبارها شاهدًا على مهارات الأجداد وصبرهم وقدرتهم على التكيف مع البيئة".
وأشار إلى أن السواني أوجدت منظومة من الحرف المساندة، إذ احتاجت أدواتها إلى حرفيين يمتلكون مهارات خاصة في صناعة الأخشاب والجلود والحبال وغيرها، ومع التطور الذي شهدته المملكة ودخول المضخات ووسائل الري الحديثة، تراجعت الحاجة إلى السواني بوصفها وسيلة أساسية لاستخراج المياه، إلا أن حضورها لم ينتهِ، إذ تحولت من ممارسة يومية مرتبطة بالزراعة إلى عنصر من عناصر التراث الثقافي الذي تستعاد من خلاله تفاصيل الحياة القديمة.
وأصبحت السواني حاضرة في بعض القرى التراثية والمهرجانات والفعاليات الشعبية، بما يتيح للزائر مشاهدة طريقة استخراج المياه والتعرف على الأدوات المستخدمة ودور الإبل في هذه العملية، حيث تنسجم هذه الجهود مع الاهتمام المتزايد بتوثيق التراث الثقافي في منطقة القصيم، التي تضم عددًا كبيرًا من المواقع الأثرية والتراثية والحرف التقليدية.
هل لديك إضافة موثقة تتعلق بهذا المحتوى؟
إذا كانت لديك إضافة علمية أو معرفية موثقة، أو تصويب تحريري مدعوم بمصدر، فيمكنك مشاركتها مع فريق التحرير في Qpedia. تتم مراجعة جميع الإضافات وفق سياسة النشر والتحرير قبل اعتمادها.