موضوع موسوعي
مراحل تطور التدوين التاريخي
مراحل تطور التدوين التاريخي
يقصد بالتدوين التاريخي هي القصة التاريخية التي تبرز أهميتها عند العرب وتستند علي مصادر واقعيه يتم تدوينها ، ويمكن القول بأن التدوين التاريخي . قد مر بثلاث مراحل مترابطة ومتشابكة إلى حد كبير مأخوزه من علم الحديث أو غيرها .....استكمال القراءة
المحتوى
أدوات القراءة
يقصد بالتدوين التاريخي هي القصة التاريخية التي تبرز أهميتها عند العرب وتستند علي مصادر واقعيه يتم تدوينها ، ويمكن القول بأن التدوين التاريخي .
قد مر بثلاث مراحل مترابطة ومتشابكة إلى حد كبير مأخوزه من علم الحديث أو غيرها من علوم العرب ، بينما يرجع الفضل في الحصول علي المادة التاريخية إلي عصرين : العصر الجاهلي ، والعصر الإسلامي ، حيث تتكون القصص التاريخية في الجاهلية من نوعين : الأول عبارة عن “قصص دينيه” وثنيه أو يهوديه أو مسيحيه ، ينقلها الرهبان .
أما النوع الثاني فهي روايات جماعية بدوية تروي من خلال النزاع القبلي ، وهي تعرف باسم «أيام العرب» ، ولا شك أن أخبار أيام العرب قديمة جداً ، ويؤكد أقدمية محاكاتها لأقدم الأقسام التاريخية في التوراة ، ومن هنا فقد انتشرت باعتبارها قصصاً مستقلة قبل أن تدخل في القصة التاريخية . وتبرز أهمية أخبار الأيام عند العرب في النثرا والشعر ؛ وهذا الأدب كان يعبر عن قصص لا تستند ولا تشير إلى مصادر مدونة ، ورغم ذلك فالأيام موجودة في عصور ما قبل الإسلام .
وفي الواقع أن قصص الأيام ترجع في أصلها إلى الأدب أكثر مما ترجع إلى التاريخ ؛ فقد كانت تروى بالدرجة الأولى للسامعين ، وهذا لا ينفي احتواءها على عناصر تاريخية من حيث تسجيلها لأحداث كبرى تتصل بنواحى معينة ، ولكن هذه الأحداث ينقصها الاستمراريه ، ودراسة الأسباب والنتائج التاريخية ، إضافة إلى أنها لم تضع الزمن في الاعتبار .
أما «الأنساب» فهي شكلاً من أشكال التعبير التاريخي التي تدعو لها الحاجة الاجتماعية القبلية للتعارف والتمايز ، رغم دلالاتها على وجود الشعور والحس التاريخي عند العرب ، فإن العناية بشجيرات النسب في عصور ما قبل الإسلام ، لم تأخذ في الاعتبار النواحي التاريخية ، ولم تهتم كذلك بعملية التدوين ، لأن المهتمين بالأنساب كانوا يحفظون معلوماتهم عن ظهراً قلب ، ولأن العرب قبل الإسلام لم يشعروا بأي ضعف في تقاليدهم النسبية ، وفي هذا الحال كان دور هذا العلم ضئيلاً في تشكيل الصورة الأدبية لعلم التاريخ الإسلامي .
وهكذا ، فقد شكلت أيام العرب والأنساب مصدرين أساسيين للمادة التاريخية لدى العرب قبل الإسلام ، وبذلك أعطت قصص الأيامي والأنسابي للثقافة الإسلامية مادة قصصية تدل علي العظمة الدينية من جهة ، ومن جهة أخرى مادة سياسية ــ واجتماعية ، ولغوية ــ وأدبية من خلال ما حمل من شعر ونثر ، وذلك للحفاظ على صورة القبيلة .

التاريخ العربي بعد الإسلام
من عوامل ظهور التاريخ في الإسلام ، هو تقدم الشعوب باكتشاف شعورها التاريخي ، فهو الذي يضعها ويجعلها تحدد دورها في مسار التاريخ ؛ فبدأ الوعي التاريخي عند المسلمين مع نزول الوحي ، لأن الوحي وحده كان مصدر المعرفة الجديدة التي أخذها المسلمون كمعطى مسبق ودون تساؤل أو نقاش ، ومنها نشأت العلوم العربية بجوهرها الإسلامي ، وتجدرت بعد أن أصبح القرآن مكتوباً في مصاحف ، وبدأ جمع أحاديث الرسول “صلي الله عليه وسلم ” في كتب الصحاح ؛ وبالتالي وضعت الأمة في التاريخ ، وبدأت الحضارة الإسلامية في التكون . ولقد كان للمعرفة التاريخية التي استجابت للمعطيات الجديدة دوراً هام في جعل فكرة التاريخ محور النشاط والتطورات في حياة المجتمع العربي الإسلامي ؛ وهذه المعطيات تركت أثراً كبيراً لتبلور فكرة التاريخ التي يمكن رصدها على مستويين :
أولاً : المستوى الفكري المتصل بالعقيدة الإسلامية ذاتها :
فالإسلام دين تاريخي يحمل في ذاته فكرة تاريخية عميقة ، ولقد أعطت العقيدة الإسلامية تصوراً واضحاً للكون منذ الخلق إلى يوم البعث ، وربطت بينهما بحلقات الأنبياء والرسل ، ولقد كان ظهور فكرة الاهتمام بالتاريخ العربي والإسلامي منذ الإسلام هو تلبية للحاجات والمشاعر الدينية ، ولقد كان من بين المؤرخين الأوائل القضاة والفقهاء والمحدثون ، وقد تعرض محمد عبدالغني حسن لهذه الناحية ، فقال :
“كان الغرض الأول من تدوين العلوم في الإسلام هو حفظ الشريعة “، ومن هنا جاء الاشتغال بعلم المغازي والسيره النبويه ، وقد جمع كثير من الفقهاء المسلمين بين الفقه والتاريخ كالطبري مثلاً ، الذي جمع بين المفسر والمؤرخ ، وشكل ظهور الرسول “صلي الله عليه وسلم ” خطاً في مسيرة التاريخ فهو خاتم الأنبياء ، وبرزخ بين عالمين ؛ عهد جديد نهائي للإنسانية ، ولقد إدرك عمر بن الخطاب “رضي الله عنه “هذه الحقيقة الإسلامية الكبرى وهي التي دفعته إلى اختيار الهجرة النبوية بدءاً للتاريخ ، وأخيراً لابد من الإشارة إلى أن القرآن الكريم قدم مادة تاريخية مهمة ، وكأن الغرض منها هو الموعظة والاقتضاء ، إلا أن الرغبة في معرفة تفاصيل ما أجمله القرآن الكريم من هذه القصص فتحت باباً من أبواب المعرفة الدينية ، ويعتبر التاريخ واحداً منها .
ثانياً : الحاجات الفكرية والروحية والثقافية : لقد شعر المسلمون ومنذ الوهلة الأولى ، بأن الإسلام كعقيدة تستحق التسجيل والتدوين لفهمه وإعطائه شأنه الإنساني ، وتجارب الأمة الإسلامية جديرة بأن تدون وتعرف تطور أحداثها وأمورها ، وتقارن مع تجارب الأمم الأخرى ، ولقد رسمت العقيدة الإسلامية لنفسها مساراً جديداً دخلت بها إلى طور مختلف ، من خلال ظهور دولة إسلامية على المسرح السياسي للعالم ، وتمكنت خلال فترة وجيزة من السيطرة على مساحات جغرافية واسعة تضم أعداداً كبيرة من البشر ، هذه الدولة تمكنت بحضارتها من إلغاء الدور الفعال للدول الكبرى التي سبقتها ، وهذا الحدث في حد ذاته كافي بأن يدفع إلى التحليل والتعليل والوصف وتقصي الأخبار لتقييمها ووضعها في موضعها من مسيرة الجنس البشري .
وفي هذا الإطار لعب الإخباريون دوراً رئيسياً في رواية هذه النقلة الفكرية والسياسية وتسجيل أحداثها ، ومنها كتب الأخبار الأولى وكتب التاريخ التي تلتها وغيرها التي تعبر عن هذه الحاجة التاريخية .
ثالثا : الحاجات العملية الحياتية : لم يكن تاريخ الإسلام ولا الحاجات الفكرية والروحية كافية لظهور علم التاريخ بتلك السعة التي ظهر بها ، لولا وجود حاجات أخرى من نوع عملي وبعض هذه الحاجات ديني تشريعي يتعلق بتفسير القرآن الكريم وأحاديث الرسول “صلي الله عليه وسلم ” ، كما تجسدت في العمل السياسي والاقتصادي الذي يتصل بإدارة الدولة وبنظامها المالي والقضائي ، كما يتصل بعناصر الدولة وتياراتها السياسية ، ومن تلك الحاجات مثلاً إلقاء الضوء على أسباب نزول القرآن وتفسيره ، لمعرفة حدوده وأحكامه من خلال تاريخه ، والحاجة إلى معرفة سيرة الرسول”صلي الله عليه وسلم ” ، ومعرفة مشكلة الإمامة والخلافة والحاجة إلى إثبات وتسجيل المعارك الكبرى ” بدر ، وأحد ، واليرموك ، والقادسية ” ، والحاجة أيضاً إلى معرفة ظهور الفرق والمذاهب ، وتحديد العلاقات السياسية والاجتماعية والمالية مع غير المسلمين في الدولة على أساس معاهدات الفتح ونصوص الشرع الإسلامي .
رابعاً : العوامل المساعدة : وهي عوامل أسهمت بدورها في ترسيخ التدوين التاريخي وبلورته ، ويمكننا تلخيصها فيما يلي :
أ- وضع التقويم الهجري : والذي أصبح نقطة الارتكاز بالنسبة إلى الروايات والأبحاث التاريخية ، وباعتباره العامل الأهم في تنظيم تاريخ الإسلام .
ب ــ الاهتمام بالأنساب : التي ما لبثت أن عادت بعد أن وجدت حوافز جديدة لظهورها عند تدوين الدواوين ، ومشكلة العطاء ، خاصة وأن تنظيم الدواوين والعطاء وسكن القبائل وفرق الجيش تم على أساس قبلي .
ج- العلوم العربية : فهي تسهم في عملية نشأة التاريخ وتدوينه : وذلك من خلال دراسة الشعر العربي والأدب واللغة ، مما أدى إلى التعرف على الكثير من الأخبار ، التي أسهمت في تكون المادة التاريخية .
د- الحركة الشعوبية : إن تميز العرب عرقياً وسياسياً وعسكرياً كان يمنحهم امتيازات ومصالح ومنافع مادية ، وهذه الحالات أدت إلى نشوء حركة ذات صدى فكري وقومي ، حيث تروى جذورها من عوامل مادية واقتصادية ، وهذه العوامل دفعت أصحابها أحياناً إلى تشويه الهالة التي وضعها الدين والحكم الإسلامي .
ه ــ ظهور الورق : فإن صناعة الورق ساهمت بشكل فعال في عملية النقل والتدوين الفكري من الذاكرة إلى الشكل المكتوب .
ب – بدء تدوين التاريخ عند العرب : نشأ علم التاريخ العربي للحفاظ على تراثين : تراث النبي”صلي الله عليه وسلم ” “غزواته ، أفعاله ، أقواله” ، وماضي القبائل العربية السابق للإسلام ” حروبها وما سمي بـالأيام بوجه عام ، وكذلك الأنساب ” ، ويضاف إلى هذا التراث الأخير البحث في التراث الشعري واللغوي لهذه القبائل .
إن الميول التاريخية التي أوجدها المجتمع الإسلامي ، كانت تتأثر بدرجات متفاوتة بالعوامل التي ساعدت على عملية التدوين التاريخي ، كما كانت تتأثر بحاجات المجتمع الإسلامي الدينية والدنيوية وتبعاً لذلك بدأ الاهتمام بدراسة «غزوات الرسول “صلي الله عليه وسلم ” في المدينة ، كما بدأ الاهتمام أيضاً بدراسة حياة الرسول “صلي الله عليه وسلم ” بمختلف جوانبها ، وقد اعتبروا المهتمون بهذه الدراسات في عداد المحدثين .
ومن هنا رأينا في القرن الأول الهجري ظهور بعض الرواة الإخباريين مثل : وهب بن منبه ” الذي توفى عام 114هـ ” ، وهو قصصي إخباري وليس من المحدثين ، ولكنه اعتنى بالإسرائيليات وأساطير العهود القديمة ، وأدخلها إلى المرويات الإسلامية من الرجال أمثال كعب الأحبارى ، وعبدالله بن سلام .
وهكذا فقد كانت الكتابة التاريخية بالنسبة إلى الحضارة العربية الإسلامية ، وفي بداياتها الأولى ، جزءاً من أدب السيرة النبويه والغزوات والفتوحات ، كما كانت جزءاً من علوم الحديث والفقه والتفسير ، وكل هذه العلوم انبثقت من الإسلام من أجل فهم الدين ونشره وتطبيق تعاليمه .
وتضاف إلى هذه العوامل العمل السياسي التاريخي من أحداث الماضي ، ولا سيما الأحداث المتعلقة بسياسات الملوك السابقين وحروبهم ومعاركهم .
وخلاصة القول إن المعرفة التاريخية احتلت مكاناً مرموقاً في الثقافة العربية الإسلامية ، سواء لدى السياسي أو الأديب أو الفقيه أو الفيلسوف أو الإنسان العامي ، ومن هنا كان انتشار كتب التاريخ في المكتبات العامة التي ازدهرت في حقب عديدة من التاريخ الإسلامي ، وانتشارها جعل الثقافة التاريخية ثقافة شعبية بالمعنى الذي تحدث عنه ابن خلدون حين قال : ” إن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال ، وتشد إليه الركاب والرحال ، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال ، وتتنافس فيه الملوك والأقيال ، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال” .
وبذلك نعود لتوضيح مراحل التدوين التاريخي التي سبق ذكرها ، والتي مرت بثلاث مراحل توازي إلى حد كبير ما مر به علم الحديث أو غيره من علوم العرب ، ولكنها مراحل ليست منفصلة بقدر ما هي مراحل مترابطة ومتشابكة :
* المرحلة الأولى : وتسمى بمرحلة التدوين الأولى ، ويتسم التدوين فيها بالطابع الشخصي بالنسبة إلى الهدف من استخدام التدوين ، وبطابع العفوية والفضول العلمي والمنفعة الدينية والاجتماعية ولقد بدأت عملية التدوين نقلاً عن الشفاه ، وعن غيرها من السجلات التي في الكتب والوثائق .
وقد رافقت هذه المرحلة وجود جمهور واسع من رواة التاريخ والأخبار والأنساب يحدثون بما يعرفونه مثل يزيد بن عقيل بن أبي طالب الأخ الأكبر لعلي ” كرم الله وجهه “، الذي كان يروي في مسجد المدينة عن أيام العرب ومعاركها ومثالب قريش ، وعمر بن خولة الراوية الفصيح ، ومكي بن سودة وغيرهم ، وقد كون هؤلاء ما يمكن أن نسميه بجمهور التاريخ ، والذي كان يشكل الإطار العام لاهتمامات الناس التاريخية .
ولقد امتدت هذه المرحلة حتى مطلع القرن الثاني الهجري ، وكانت الخطوات الأولى تجري للانتقال بالتاريخ من حالة المعرفة الشفوية إلى المعرفة الكتابية ؛ وكان اهتمام التدوين في هذه المرحلة أيضاً متوجهاً بصورة خاصة إلى مواضيع محددة من السيرة النبوية ، وفي هذه المرحلة ظهر عبدالله بن عباس ، وعروة بن الزبير ، وشرحبيل بن سعد ، وابن شهاب الزهري ، وخلال هذه المرحلة أيضاً ظهر الاهتمام بالمعارف التاريخية بوضوح لدى الخلفاء الأمويين منذ عهد معاوية وطلبوا تسجيل ذلك لهم من أفواه الناس .
* المرحلة الثانية : امتدت خلال القرن الثاني كله تقريباً ، حيث اهتم الإخباريون خلالها بأخبار الأحداث المختلفة ذات المواضيع المتنوعة وكلها من الأفواه والرواة ، بجانب الاهتمام بالسيرة النبوية .
ولكن الاهتمام بالأخبار التاريخية الأخرى صار أكثر وضوحاً بل واكب وزاحم الكثير من الاهتمام بالسيرة نفسها ، وذلك بسبب أن السيرة كانت قد استكملت المعارف عنها واستنفدت كافة المصادر والمعلومات المتعلقة بها ، بينما وجد الإخباريون ميادين أخرى لفعالياتهم الفكرية والثقافية ومواضيع أخرى تهم الناس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، وهكذا فقد اندفع رجال هذه الفترة من الإخباريين في تأليف العشرات من الكتب بل المئات ، واستقصت في مجموعها علي ما يهم المؤرخ معرفته من المعلومات عن مختلف مواضيع التاريخ الإسلامي خاصة تاريخ العرب الجاهلي وبعض تواريخ الأمم ، ومن بين هؤلاء الرجال أبو محنف ، والواقد ، وغيرهم .
* المرحلة الثالثة : وهي مرحلة تدوين التاريخ على أساس التسلسل الزمني ، وجمع المواضيع المتعاقبة على التوالي في كتاب واحد ، وهي تستند في فلسفتها العميقة إلى فكرتين أساسيتين :
أولاهما : وحدة التاريخ الإسلامي وأهمية تجارب الأمة الإسلامية .
وثانيهما : وحدة تاريخ البشرية من خلال سلسلة الأنبياء ، ولقد استمرت هذه المرحلة حتى نهاية القرن الثالث ، حيث استقرت وتوطد بها علم التاريخ الإسلامي ومناهجه في التدوين .
ونجد بداية ذلك لدى ابن إسحاق صاحب السيرة في أواسط القرن الثاني ، وإسحاق بن إبراهيم ، صاحب كتاب ” السير في الأخبار والحوادث ” ، وفي خطوة أخرى نجد جميع السير والأخبار في كتاب واحد ، كما تم وضع أول كتاب في التاريخ على أساس الطبقات لتراجم الرجال .
والجدير بالذكر هو أن صناعة الورق هي الأخرى قد أتاحت للحركة الثقافية الإسلامية الأداة الثورية في الفكر ، مما ساعد على التوسع في التدوين التاريخي ، كما ساعد الورق على جمع المؤلفات التاريخية الصغيرة ذات الموضوع الواحد في مجموعات تاريخية واسعة تضم مختلف المواضيع في نسق زمني متصل .
وهنا يجب أن نذكركم بمادة التدوين التاريخي : التي أستوحي منها الإخباريون مؤلفاتهم ودوّنوها ونوجزها في النقاط التالية :
* السير والغزوات .
* أحداث التاريخ الإسلامي منذ وفاة الرسول”صلي الله عليه وسلم ” حتى عهود من قاموا بالتدوين
التاريخي .
* أخبار الجاهلية وخاصة أيام العرب والأنساب والمرويات الأدبية .
* أخبار العرب قبل الإسلام ، وخاصة في اليمن والحيرة .
* تاريخ الأنبياء والأديان .
* تاريخ الفرس والروم وملوكهم وأخبارهم ونظمهم .
* تاريخ الروم والأمم الأخرى .
* المدارس التاريخية :
أ ــ مدرسة المدينة : لقد استأثر الاهتمام الإسلامي بهذه المدرسة ، ولعل السبب هو أن المدينة كانت عاصمة للرسول”صلي الله عليه وسلم ” ، والخلفاء من بعده ومركز تجمع الصحابة والبلد الأساسي للدين الإسلامي ، ولعل ملامح النشأة التاريخية تبدو واضحة في هذه المدرسة وأولى طبقاتها ؛ أبان بن عثمان ، وعروة بن الزبير ، وشرحبيل بن سعد ، ووهب بن منبه ، وهؤلاء الأربعة شكلوا دعامة أولى في كتابة المغازي .
ويمثل أبان بن عثمان بن عفان مرحلة انتقال بين دراسة الحديث ودراسة المغازي ، كما نقل ابن هشام وابن سعد ما جمعه عروة بن الزبير من أحاديث ، وأخذ ابن إسحاق والواقدي ثم الطبري من أخباره التي ضمت المغازي وأخبار الردة في روايات قصيرة موجزة ، ولشرحبيل بن سعد أخبار عن أسماء بنت أبي بكر “رضي الله عنه ” ومن هاجر إلى المدينة ومن اشترك في غزوة أحد .
ويتبع هؤلاء طبقة ثانية يمثلها عبدالله بن أبي بكر بن حزم ، وعاصم بن عمرو بن قتادة ، ومحمد بن شهاب الزهري ، الذي أعد أول تسجيل لبدء حياة الرسول”صلي الله عليه وسلم ” ، وأخباره معتمده على روايات عروة ، كما أن كتاباته تطرقت لموضوعات تتصل بظهور الأحزاب السياسية والجدل بينها حول الفتنة والخلافة .
وتختتم مدرسة المدينة بطبقة ثالثة فيها موسى بن عقبة ومعمر بن راشد ومحمد بن إسحاق ؛ وهؤلاء تلاميذ للزهري ، وعند إسحاق والواقدي ، ومن بعدهما بدأت مرحلة جديدة متميزة في التدوين التاريخي العربي .
وإذا كان القرآن الكريم هو المصدر الأول لدراسة التاريخ يليه الحديث ، وكانت بدايات التأليف وثيقة الصلة بهذين المصدرين ، فإن الحركة التاريخية التي نشأت في المدينة اعتمدت على الرواية الشفوية كرواة الحديث ، والخبر التاريخي عمدته بالسماع من الموثوق بهم من الحفاظ ، وهذه هي طريقة الإسناد ، وكل جيل ينهل من الذي قبله .
ب – مدرسة العراق التاريخية والإخباريون الأوائل : وقد تلت المدرسة الأولى في المدينة ، وعرف الإخباريون الأوائل في الكوفة والبصرة كأبي مخنف لوط بن يحيى ، وهو إخباري من أهل الكوفة وله تأليف عن مقتل الحسين ، وأخذ الثأر ، وتأليف في الردة والفتوح والجمل وصفين ، وعوانة بن الحكم وهو إخباري كوفي كان على دراية بأخبار الفتوح مع علمه بالشعر والأنساب .
ومن إخباريي الكوفة أيضاً محمد بن السائب الكلبي ، والذي اختص بدراسة الأنساب ، وسيف بن عمر ، وهو عراقي أخذ رواياته من شيوخ الكوفة ، كما أستفاد من روايات المدينة ، وله كتاب عن الردة والفتوح .
ويأتي بعد الإخباريين الأوائل المؤرخون ، منهم الطبري الذي اهتم بالإسناد ، ثم تحررت الكتابة التاريخية من هذه الطريقة إلى الكتابة المرسلة ، وظهر هذا واضحاً عند اليعقوبي ، والمسعودي اللذين اكتفيا بالإشارة إلى المصادر مع دراسة نقدية في بعض الأحيان ، كما فعل المسعودي في “مروج الذهب” .
-4 ظهور كبار المؤرخين :
مع نهاية القرن الثالث الهجري ، عرف التاريخ اسمه الحقيقي شكلاً ومضموناً ، ورسمت معالمه التي لم تتغير فيما بعد إلا في شكلها الخارجي ، وهذه المعالم ترسخت على أيدي مؤرخين كبار ، سنحاول فيما يلي إلقاء نظرة على أبرزهم .
أ – ابن قتيبة الدينوري : هو أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الكوفي ، وعرف بالدينوري نسبة إلى دينوري الذي كان قاضياً فيها ، وكان عالماً باللغة والنحو والقرآن ومعانيه ، وتصل قائمة مؤلفاته إلى 46 مؤلفاً ، أبرزها هو : كتاب «عيون الأخبار» وكتاب «المعارف» الذي يجمع فيه بين فكرة التاريخ العلمي ، وفكرة الوحدة الثقافية في تاريخ العرب .
وقد تميز ابن قتيبة بحس نقدي ، جعله لا يقتصر على نقد المصادر فقط ، بل يتعدى ذلك إلى المعلومات الواردة .
ب ــ البلاذري : هو أبو جعفر بن يحيى بن جابر البلاذري ، وهو من رجال البلاط العباسي منذ عهد المتوكل حتى المعتز . وكان أحد النقلة من اللسان الفارسي إلى العربية ، وله عدة مؤلفات غير أن أشهرها هو كتاب «فتوح البلدان» وكتاب «أنساب الأشراف» ، وقد تميز البلاذري بكونه كان يورد للخبر الواحد أكثر من رواية واحدة ، وعندما يصل إلى جمع مادته يعمل على تصنيفها وتنسيقها .
ج – أبو حنيفة الدينوري : هو أحمد بن داود ، فارسي الأصل أخذ علمه عن البصرة والكوفة ، وكان نحوياً ولغوياً وراوياتة ثقة فيما يرويه ويحكيه ، ومن أهم كتبه كتاب «الأخبار الطوال» الذي سرد فيه فترات من تاريخ العالم .
د – اليعقوبي : هو أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر بن واضح الإخباري العباسي ، وهو مؤرخ وجغرافي كثير الأسفار من أهل بغداد له كتب متعددة منها «تاريخ اليعقوبي» وكتاب «البلدان». وقد تناول إلى جانب ذلك تاريخ الأنبياء والفرس والجاهلية ، وتواريخ الأمم الأخرى القديمة من الآشورية والبابلية.. ولقد اهتم بهذه التواريخ بالجانب الحضاري أكثر من اهتمامه بالجانب السياسي .
هـ – الطبري : هو محمد بن جرير بن يزيد ، وعلمه معروف في التاريخ الإسلامي وفي التفسير ، وبلغ به التدوين التاريخي نهاية عمر التكوين والنشأة ، ولد بمدينة آمل بطبرستان ، وقد بدت عليه علامات الذكاء منذ صغره ؛ إذ حفظ القرآن وهو ابن سبع سنوات ، كما ألمّ بعلوم القرآن والنحو والشعر واللغة والفقه ، وله عدة مؤلفات ، اشهرها كتاب «التفسير» وكتاب «التاريخ الكبير» المسمى بـ«تاريخ الرسل والملوك وأخبارهم» .
هل لديك إضافة موثقة تتعلق بهذا المحتوى؟
إذا كانت لديك إضافة علمية أو معرفية موثقة، أو تصويب تحريري مدعوم بمصدر، فيمكنك مشاركتها مع فريق التحرير في Qpedia. تتم مراجعة جميع الإضافات وفق سياسة النشر والتحرير قبل اعتمادها.