موضوع موسوعي
ذم التقليد والتبعية والنهي عنهما
ذم التقليد والتبعية والنهي عنهما
التَّقليدُ لُغةً: التَّقليدُ: وَضعُ الشَّيءِ في العُنُقِ مع الإحاطةِ به، ويُسَمَّى ذلك قِلادةً، ويأتي بمعنى الإلزامِ والتَّناوُبِ، وأصلُ هذه المادَّةِ يَدُلُّ على تعليقِ شَيءٍ ولَيِّه به . التَّقليدُ اصطِلاحًا: قال ا .....استكمال القراءة
هذا المحتوى ضمن كرسي معرفي وبحثي:
كرسي فيصل بن عبدالله بن عبدالعزيز الراجحي ووالديه للقرآن والسنة
برعاية كريمة
فيصل بن عبدالله بن عبدالعزيز الراجحي
مؤسس
المحتوى
أدوات القراءة
التَّقليدُ لُغةً:
التَّقليدُ: وَضعُ الشَّيءِ في العُنُقِ مع الإحاطةِ به، ويُسَمَّى ذلك قِلادةً، ويأتي بمعنى الإلزامِ والتَّناوُبِ، وأصلُ هذه المادَّةِ يَدُلُّ على تعليقِ شَيءٍ ولَيِّه به .
التَّقليدُ اصطِلاحًا:
قال ابنُ تَيميَّةَ: (التَّقليدُ هو قَبولُ القَولِ بغيرِ دليلٍ) .
وقال الجُرْجانيُّ: (عبارةٌ عن اتِّباعِ الإنسانِ غيرَه فيما يقولُ أو يفعَلُ، مُعتَقِدًا للحقيقةِ فيه، من غيرِ نَظَرٍ وتأمُّلٍ في الدَّليلِ) .
وقيل: (التَّقليدُ هو اتِّباعُ مَن لم يقُمْ باتِّباعِه حُجَّةٌ، ولم يَستنِدْ إلى عِلمٍ) .
وقيل: (التَّقليدُ هو قَبولُ قَولٍ بلا حُجَّةٍ)
الفَرْقُ بَيْنَ التَّقليدِ والاتِّباعِ:
كُلُّ من اتَّبَعْتَ قَولَه من غيرِ أن يجِبَ عليك قَبولُه لدليلٍ يوجِبُ ذلك، فأنت مقَلِّدُه، والتَّقليدُ في دينِ اللهِ غيرُ صحيحٍ.
وكلُّ من أوجَب عليك الدَّليلُ اتِّباعَ قولِه، فأنت متَّبِعُه، والاتِّباعُ في الدِّينِ مُسَوَّغٌ .
الفَرْقُ بَيْنَ العِلمِ والتَّقليدِ:
أنَّ العِلمَ هو اعتِقادُ الشَّيءِ على ما هو به على سبيلِ الثِّقةِ.
والتَّقليدُ قَبولُ الأمرِ ممَّن لا يؤمَنُ عليه الغَلَطُ بلا حُجَّةٍ .
الفَرْقُ بَيْنَ التَّقليدِ والتَّنحيتِ:
أنَّ التَّنحيتَ هو الاعتقادُ الذي يعتَدُّ به الإنسانُ من غيرِ أن يُرَجِّحَه على خلافِه، أو يخطُرَ ببالِه أنَّه بخِلافِ ما اعتَقَده، وهو مفارِقٌ للتَّقليدِ بأنَّه ما يُقَلَّدُ فيه الغيرُ، والتَّنحيتُ لا يُقَلَّدُ فيه أحَدٌ .
ذم التقليد والتبعية والنهي عنهما:
أ- من القران الكريم
قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: 170-171] .
قال السَّعديُّ: (أخبَرَ تعالى عن حالِ المُشرِكين إذا أُمِروا باتِّباعِ ما أنزَل اللهُ على رسولِه -ممَّا تقَدَّم وَصفُه- رَغِبوا عن ذلك، وقالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، فاكتَفَوا بتقليدِ الآباءِ، وزَهِدوا في الإيمانِ بالأنبياءِ، ومع هذا فآباؤهم أجهَلُ النَّاسِ، وأشَدُّهم ضَلالًا، وهذه شُبهةٌ لرَدِّ الحَقِّ واهيةٌ، فهذا دليلٌ على إعراضِهم عن الحَقِّ، ورغبتِهم عنه، وعَدَمِ إنصافِهم، فلو هُدُوا لرُشدِهم، وحَسُنَ قَصدُهم، لكان الحَقُّ هو القَصدَ، ومَن جَعَل الحَقَّ قَصْدَه، ووازن بَينَه وبَينَ غَيرِه، تبيَّن له الحقُّ قطعًا، واتَّبَعه إن كان مُنصِفًا.
ثمَّ قال تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: 171] .
لمَّا بَيَّنَ تعالى عدَمَ انقيادِهم لِما جاءت به الرُّسُلُ، وردَّهم لذلك بالتَّقليدِ، عُلِم من ذلك أنَّهم غيرُ قابلين للحَقِّ، ولا مستجيبينَ له، بل كان معلومًا لكُلِّ أحدٍ أنَّهم لن يزولوا عن عنادِهم، أخبر تعالى أنَّ مَثَلَهم عِندَ دُعاءِ الدَّاعي لهم إلى الإيمانِ كمَثَلِ البَهائِمِ التي يَنعِقُ لها راعيها، وليس لها عِلمٌ بما يقولُ راعيها ومناديها! فهم يَسمَعون مجرَّدَ الصَّوتِ الذي تقومُ به عليهم الحُجَّةُ، ولكِنَّهم لا يَفقَهونَه فِقهًا ينفَعُهم؛ فلهذا كانوا صُمًّا لا يَسمَعون الحَقَّ سماعَ فَهمٍ وقَبولٍ، عُميًا لا يَنظُرون نَظَرَ اعتِبارٍ، بُكمًا فلا يَنطِقون بما فيه خيرٌ لهم) .
وقال القُرطبيُّ: (قال عُلَماؤنا: وقوَّةُ ألفاظِ هذه الآيةِ تُعطي إبطالَ التَّقليدِ، ونظيرُها: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة: 104] ) .
- وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [المائدة: 104] .
أي: إذا دُعُوا إلى دينِ اللهِ وشَرعِه وما أوجَبه، وتَرْكِ ما حرَّمه، قالوا: يكفينا ما وجَدْنا عليه الآباءَ والأجدادَ من الطَّرائِقِ والمسالكِ؛ قال اللهُ تعالى: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ أي: لا يَفهَمونَ حَقًّا، ولا يَعرِفونه ولا يَهتَدون إليه، فكيف يتَّبِعونهم والحالةُ هذه؟! لا يتَّبِعُهم إلَّا مَن هو أجهَلُ منهم، وأضَلُّ سَبيلًا .
- وقال سُبحانَه: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس: 78] .
أي: أجِئْتَنا لتصُدَّنا عمَّا وجَدْنا عليه آباءَنا من الشِّركِ وعبادةِ غيرِ اللهِ، وتأمُرَنا بأن نعبُدَ اللهَ وَحْدَه لا شريكَ له؟! فجَعَلوا قولَ آبائِهم الضَّالِّينَ حُجَّةً يردُّون بها الحَقَّ الذي جاءهم به موسى عليه السَّلامُ .
- وقال تعالى مُبَيِّنًا حُجَّةَ المُشرِكين في عبادةِ أصنامِهم: قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [الأنبياء: 53] ، وقال: قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء: 74] .
قال ابنُ كثيرٍ: (لم يكُنْ لهم حُجَّةٌ سِوى صنيعِ آبائِهم الضُّلَّالِ) .
وقال: (يعني: اعتَرَفوا بأنَّ أصنامَهم لا تَفعَلُ شيئًا من ذلك، وإنَّما رأَوا آباءَهم كذلك يفعَلون، فهم على آثارِهم يُهْرَعون) .
- وقال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ [البقرة: 166-167] ، وقال: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [الأنبياء: 52-53] ، وقال حكايةً عن المُشرِكين قولَهم: إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب: 67] .
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (وقد احتَجَّ العُلَماءُ بهذه الآياتِ في إبطالِ التَّقليدِ، ولم يمنَعْهم كُفرُ أولئك من جهةِ الاحتجاجِ بها؛ لأنَّ التَّشبيهَ لم يقَعْ من جهةِ كُفرِ أحَدِهما وإيمانِ الآخَرِ، وإنَّما وقع التَّشبيهُ بَيْنَ التَّقليدَينِ بغيرِ حُجَّةٍ للمُقَلِّدِ، كما لو قلَّد رجُلٌ فكَفَر، وقلَّد آخَرُ فأذنَبَ، وقلَّد آخَرُ في مسألةِ دُنياه فأخطأ وَجْهَها، كان كُلُّ واحدٍ ملومًا على التَّقليدِ بغيرِ حُجَّةٍ؛ لأنَّ كُلَّ ذلك تقليدٌ يُشبِهُ بعضُه بعضًا، وإن اختلَفَت الآثامُ فيه) .
ب- من السنة النبوية
ممَّا ورَد في النَّهيِ عن تقليدِ الكُفَّارِ ومتابعَتِهم والتَّشبُّهِ بهم:
- عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((من تشَبَّه بقومٍ فهو منهم)) .
قولُه: ((مَن تشَبَّه)) أي: أتى ما يكونُ به مشابِهًا لهم، وذلك بأن يفعَلَ شيئًا من خصائِصِهم. والتَّشبُّهُ يكونُ بالعقيدةِ، ويكونُ بالعبادةِ، ويكونُ باللِّباسِ، ويكونُ بالعاداتِ، الحديثُ عامٌّ، وإذا كان عامًّا فيُنَزَّلُ قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فهو منهم) ) على ما تقتضيه الأدِلَّةُ الأخرى؛ فمَثَلًا من تشبَّه بقومٍ في العقيدةِ فهو منهم، اعتَقَد ما يعتَقِدون، سواءٌ فيما يتعلَّقُ بالعبادةِ أو بالرُّبوبيَّةِ أو بالأسماءِ والصِّفاتِ، هو منهم، من تشَبَّه بهم في العبادةِ فهو منهم، من تشَبَّه بهم في العاداتِ فهو منهم، ولا سيَّما إن نهى الشَّرعُ عن ذلك بعينِه، تشبَّه بهم في اللِّباسِ؛ صار يَلبَسُ مِثلَ لِباسِ الكُفَّارِ، نقولُ: هو منهم، المُهِمُّ إذا تشَبَّه بهم، والتَّشبُّهُ أن يفعَلَ ما كان مختَصًّا بالمتشَبَّهِ به، أمَّا ما كان مُشتَرَكًا فلا تشَبُّهَ .
قولُه: ((فهو منهم) ) قيل: يعني: يوشِكُ أن يكونَ منهم؛ لأنَّ التَّشبُّهَ بهم في الظَّاهِرِ يؤدِّي إلى التَّشبُّهِ بهم في الباطِنِ، وعلى هذا فيكونُ منهم باعتبارِ المآلِ لا باعتبارِ الحالِ. وقيل: إنَّه منهم في هذه الخَصلةِ التي تشَبَّهَ بها، فهو باعتبارِ الحالِ، ولا شَكَّ أنَّ التَّشبُّهَ بالقولِ يؤدِّي إلى محبَّتِهم وتعظيمِهم والرُّكونِ إليهم، وهذا قد يجُرُّ المرءَ إلى أن يتشَبَّهَ بهم حتَّى في العبادةِ؛ ففي هذا الحديثِ فوائِدُ، منها: الحَثُّ على التَّشبُّهِ بالصَّالحين؛ لقولِه: ((من تشبَّه بقومٍ فهو منهم)) ، ويتفرَّعُ على هذه الفائدةِ الحَثُّ على اتِّباعِ السَّلَفِ الصَّالحِ في العبادةِ، وفي العقيدةِ، وفي المنهَجِ، وفي كُلِّ شيءٍ؛ ليكونَ الإنسانُ منهم .
- عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ من كان قَبْلَكم شِبرًا شِبرًا، وذراعًا بذراعٍ، حتَّى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُموهم، قُلْنا: يا رسولَ اللَّهِ، اليهودُ والنَّصارى؟ قال: فمَن؟!)) .
وهذا خرَج من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مخرَجَ الخبَرِ عن وقوعِ ذلك، والذَّمِّ لِمن يفعَلُه، كما كان يخبِرُ عمَّا يفعَلُه النَّاسُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعةِ من الأشراطِ والأمورِ المحرَّماتِ؛ فعُلِم أنَّ مشابهةَ اليهودِ والنَّصارى ممَّا ذَمَّه اللهُ ورسولُه .
قال المُناويُّ: (أي: لتتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم اتِّباعًا شِبرًا متلَبِّسًا بشِبرٍ، وذراعًا متلبِّسًا بذراعٍ، وهو كنايةٌ عن شِدَّةِ الموافقةِ لهم في المخالفاتِ والمعاصي لا الكُفرِ، ثمَّ إنَّ هذا لفظُ خَبَرٍ معناه النَّهيُ عن اتِّباعِهم، ومَنْعُهم من الالتِفاتِ لغيرِ دينِ الإسلامِ؛ لأنَّ نورَه قد بَهَر الأنوارَ، وشِرعتَه نَسَخت الشَّرائعُ، وذا من مُعجزاتِه؛ فقد اتَّبع كثيرٌ من أمَّتِه سَنَنَ فارِسَ في شِيَمِهم ومراكِبِهم وملابِسِهم، وإقامةِ شِعارِهم في الحُروبِ وغيرِها، وأهلِ الكِتابَينِ في زَخرفةِ المساجِدِ، وتعظيمِ القُبورِ، حتَّى كاد أن يَعبُدَها العوامُّ، وقَبولِ الرِّشا، وإقامةِ الحُدودِ على الضُّعَفاءِ دونَ الأقوياءِ، وتَرْكِ العَمَلِ يومَ الجُمُعةِ... إلى غيرِ ذلك ممَّا هو أشنَعُ وأبشَعُ) .
ج- من أقوال السلف والعلماء
- رُوِيَ أنَّ الحارِثَ بنَ حَوطٍ اللَّيثيَّ نَهَض إلى عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه وهو على المنبَرِ، فقال: (أتظُنُّ أنَّا نَظُنُّ أنَّ طَلحةَ والزُّبَيرَ كانا على ضلالٍ؟ قال: يا حارِ ، إنَّه ملبوسٌ عليك! إنَّ الحَقَّ لا يُعرَفُ بالرِّجالِ، فاعرِفِ الحَقَّ تَعرِفْ أهلَه) .
- عن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ الله عنه أنَّه كان يقولُ: (اغْدُ عالِمًا أو متعَلِّمًا، ولا تَغْدُ إمَّعةً فيما بَيْنَ ذلك) .
- وعنه أيضًا قال: (ألا لا يُقَلِّدَنَّ أحَدُكم دينَه رَجُلًا؛ إن آمَنَ آمَنَ، وإن كَفَر كَفَر، وإنْ كُنتُم لا بُدَّ مُقتَدين، فاقتَدوا بالميِّتِ؛ فإنَّ الحَيَّ لا يُؤمَنُ عليه الفِتنةُ) .
- وعنه أيضًا قال: (لا يَكونَنَّ أحَدُكم إمَّعةً، قالوا: وما الإمَّعةُ؟ قال: يجري مع كُلِّ ريحٍ) .
قال الخلَّالُ: وأخبَرَني حَربُ بنُ إسماعيلَ الكَرْمانيُّ، قال: (قُلتُ لإسحاقَ -يعني ابنَ راهَوَيهِ- ما معنى قَولِه: «لا يكونُ أحَدُكم إمَّعةً»؟ قال: يقولُ: إن ضَلَّ النَّاسُ ضلَلْتُ، وإن اهتَدَوا اهتَدَيتُ) .
- قال عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ: (لِيُوطِّنَنَّ المرءُ نفسَه على أنَّه إن كَفَر مَن في الأرضِ جميعًا لم يَكفُرْ، ولا يكونَنَّ أحَدُكم إمَّعةً، قيل: وما الإمَّعةُ؟ قال: الذي يقولُ: أنا مع النَّاسِ؛ إنَّه لا أُسوةَ في الشَّرِّ) .
- وعن الفُضَيلِ بنِ عِياضٍ قال: (اتَّبِعْ طريقَ الهُدى، ولا يَضُرَّك قِلَّةُ السَّالِكين، وإيَّاك وطُرُقَ الضَّلالةِ، ولا تغتَرَّ بكَثرةِ الهالِكين) .
- و(عن كُمَيلِ بنِ زيادٍ أنَّ عَليًّا رَضِيَ الله عنه قال: يا كُمَيلُ: إنَّ هذه القُلوبَ أوعيةٌ، فخَيرُها أوعاها للخَيرِ، والنَّاسُ ثلاثةٌ: فعالِمٌ رَبَّانيٌّ، ومتعَلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كُلِّ ناعقٍ، لم يَستضيئوا بنورِ العِلمِ، ولم يَلجَؤوا إلى رُكنٍ وثيقٍ.. إلى أن قال: أفٍّ لحامِلِ حَقٍّ لا بصيرةَ له، ينقَدِحُ الشَّكُّ في قَلبِه بأوَّلِ عارِضٍ من شُبهةٍ، لا يَدري أين الحَقُّ، إن قال أخطَأَ، وإن أخطأَ لم يَدْرِ، مشغوفٌ بما لا يدري حقيقتَه، فهو فِتنةٌ لِمن فُتِن به) .
وعن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: (كُنَّا ندعو الإمَّعةَ في الجاهليَّةِ الذي يُدعى إلى الطَّعامِ، فيذهَبُ معه بآخَرَ، وهو فيكم المُحقِبُ دِينَه الرِّجالَ، الذي يمنَح دينَه غيرَه، فيما ينتَفِعُ به ذلك الغيرُ في دُنياه، ويبقى إثمُه عليه) .
و(المُحقِبُ دينَه الرِّجالَ): (يعني: المتْبِعَ دينَه آراءَ الرِّجالِ من غيرِ نَظَرٍ في دليلٍ ولا طلَبٍ لحُجَّةٍ، وهو مأخوذٌ من الحقيبةِ التي تُعلَّقُ على الفَرَسِ، فكذلك هذا يُعلِّقُ أمرَ دينِه على غيرِه؛ تقليدًا لا اجتِهادًا) .
- وقال ابنُ القَيِّمِ: (وكانوا يُسَمُّون -أي: الصَّحابةُ والتَّابعون- المُقَلِّدَ الإمَّعةَ ومُحقِبَ دينِه، كما قال ابنُ مسعودٍ: الإمَّعةُ الذي يُحقِبُ دِينَه الرِّجالَ، وكانوا يُسَمُّونه الأعمى الذي لا بصيرةَ له، ويُسَمُّون المقَلِّدين أتباعَ كُلِّ ناعقٍ، يميلون مع كُلِّ صائحٍ) .
- وكان أحمدُ بنُ حَنبَلٍ يقولُ: (مِن ضِيقِ عِلمِ الرَّجُلِ أن يُقَلِّدَ في اعتقادِه رَجُلًا) .
- وقال الغَزاليُّ: (اعلَمْ أنَّ مَن عَرَف الحَقَّ بالرِّجالِ حار في متاهاتِ الضَّلالِ؛ فاعرِفِ الحَقَّ تَعرِفْ أهلَه إنْ كُنتَ سالِكًا طريقَ الحَقِّ) .
- وقال ابنُ الجوزيِّ: (اعلَمْ أنَّ المقَلِّدَ على غيرِ ثقةٍ فيما قلَّد فيه، وفي التَّقليدِ إبطالُ منفعةِ العقلِ؛ لأنَّه إنَّما خُلِق للتَّأمُّلِ والتَّدبُّرِ، وقبيحٌ بمن أُعطيَ شمعةً يستضيءُ بها أن يُطفِئَها ويمشيَ في الظُّلمةِ.
واعلَمْ أنَّ عُمومَ أصحابِ المذاهِبِ يَعظُمُ في قلوبِهم الشَّخصُ، فيتَّبِعون قولَه من غيرِ تدبُّرٍ بما قال، وهذا عينُ الضَّلالِ؛ لأنَّ النَّظَرَ ينبغي أن يكونَ إلى القولِ لا إلى القائِلِ) .
- وقال أيضًا: (إنَّما ينبغي للإنسانِ أن يتَّبِعَ الدَّليلَ، لا أن يتَّبِعَ طريقًا ويتطَلَّبَ دليلَها... ولقد كان جماعةٌ من المحَقِّقين لا يبالون بمُعظَّمٍ في النُّفوسِ إذا حاد عن الشَّريعةِ، بل يُوسِعونَه لَومًا، فنُقِل عن أحمدَ أنَّه قال له المرُّوذيُّ: ما تقولُ في النِّكاحِ؟ فقال: سُنَّةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فقال: فقد قال إبراهيمُ. قال: فصاح بي، وقال: جِئْتَنا ببُنَيَّاتِ الطَّريقِ !
وقيل له: إنَّ سَرِيًّا السَّقَطيَّ قال: لمَّا خلَقَ اللهُ تعالى الحروفَ وَقَف الألِفُ، وسَجَدت الباءُ... فقال: نَفِّروا النَّاسَ عنه.
واعلَمْ أنَّ المحَقِّقَ لا يَهولُه اسمٌ مُعَظَّمٌ، كما قال رجُلٌ لعَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه: أتظُنُّ أنَّا نظُنُّ أنَّ طَلحةَ والزُّبَيرَ كانا على الباطِلِ؟ فقال له: إنَّ الحَقَّ لا يُعرَفُ بالرِّجالِ، اعرِفِ الحَقَّ تَعرِفْ أهلَه.
ولَعَمْري، إنَّه قد وَقَر في النُّفوسِ تعظيمُ أقوامٍ، فإذا نُقِل عنهم شيءٌ فسَمِعَه جاهِلٌ بالشَّرعِ قَبِلَه؛ لتعظيمِهم في نفسِه) .
- وقال الطَّحاويُّ: (كان أبو عُبَيدٍ يُذاكِرُني بالمسائِلِ، فأجَبْتُه يومًا في مسألةٍ، فقال لي: ما هذا قولَ أبي حنيفةَ. فقُلتُ له: أيُّها القاضي، أوَ كُلُّ ما قاله أبو حنيفةَ أقولُ به؟ قال: ما ظنَنْتُك إلَّا مُقَلِّدًا. فقُلتُ له: وهل يُقَلِّدُ إلَّا عَصَبيٌّ؟ فقال لي: أو غَبيٌّ؟ فطارت هذه الكَلِمةُ بمِصرَ حتَّى صارت مَثَلًا) .
- قال عبدُ اللهِ بنُ المُعتَزِّ: (لا فَرْقَ بَيْنَ بهيمةٍ تُقادُ، وإنسانٍ يُقَلِّدُ)
هذا المحتوى ضمن كرسي معرفي وبحثي:
كرسي فيصل بن عبدالله بن عبدالعزيز الراجحي ووالديه للقرآن والسنة
برعاية كريمة
فيصل بن عبدالله بن عبدالعزيز الراجحي
مؤسس
هل لديك إضافة موثقة تتعلق بهذا المحتوى؟
إذا كانت لديك إضافة علمية أو معرفية موثقة، أو تصويب تحريري مدعوم بمصدر، فيمكنك مشاركتها مع فريق التحرير في Qpedia. تتم مراجعة جميع الإضافات وفق سياسة النشر والتحرير قبل اعتمادها.